أسعار الغاز المسال تدفع أسواق آسيا لترشيد الاستهلاك وتنويع البدائل
توقعت شركة الأبحاث العالمية "وود ماكنزي" تراجع الطلب على الغاز الطبيعي المسال في منطقة آسيا والمحيط الهادئ للعام الثاني على التوالي، ليصل إلى 257 مليون طن خلال عام 2026، مقارنة بـ 268 مليون طن في عام 2025، وهبوطاً من ذروته البالغة 278 مليون طن المسجلة في عام 2024.
وعزا التقرير هذا الانخفاض المستمر إلى قفزات الأسعار الفورية، وتعطل جزء من الإمدادات القطرية، وتسارع التحول نحو أنواع وقود بديلة، فضلاً عن سعي الحكومات لتنويع مصادر التوريد لتقليل الاعتماد على الشحنات العابرة لمضيق هرمز، لا سيما وأن آسيا تستحوذ على نحو 90% من شحنات الغاز المسال القادمة من قطر والإمارات.
تأتي الصين في مقدمة الدول التي تشهد تراجعاً هيكلياً في الطلب؛ إذ توقع التقرير انخفاض وارداتها من الغاز المسال إلى 62.4 مليون طن في عام 2026 مقارنة بـ 66.4 مليون طن في العام السابق، وذلك في ظل تباطؤ الطلب المحلي، وامتلاك بكين لأكبر احتياطي ومحفظة إمدادات متنوعة عالمياً. كما سينخفض معدل تشغيل محطات إعادة التغويز الصينية إلى 29% فقط من طاقتها التصميمية.
في المقابل، توفر العقود طويلة الأجل حماية نسبية لليابان، حيث تغطي أكثر من 90% من احتياجاتها لعام 2026، مما يحد من تأثير اضطرابات الشرق الأوسط. وعلى النقيض، تواجه كوريا الجنوبية اختباراً صعباً جراء تضرر أحد خطوط الإنتاج المرتبطة بعقودها في منشأة "رأس لفان" القطرية، إلى جانب اعتمادها بنسبة تتجاوز 20% على السوق الفورية عالية التكلفة. أما تايوان، فقد نجحت في سد العجز عبر زيادة الواردات الأميركية والشحنات الفورية لتغطية 75% من أي نقص محتمل.
يواجه جنوب آسيا الضغوط الأكبر؛ ففي الهند دفع غلاء الأسعار السلطات إلى توجيه الغاز للقطاعات الحيوية، بينما تحولت الصناعات الكثيفة إلى البروبان والنافثا وزيت الوقود. ومع ذلك، يحذر التقرير من انتقال مخاطر أمن الطاقة للهند نظراً لاعتمادها بنسبة تصل إلى 85% على مضيق هرمز لاستيراد غاز البترول المسال. وفي سياق متصل، عادت باكستان للسوق الفورية بعد غياب عامين لتأمين احتياجاتها، بينما أبدت بنغلاديش مرونة أكبر في مواصلة الشراء الفوري رغم الأسعار المرتفعة.
وعلى العكس تماماً، تشهد دول جنوب شرق آسيا نمواً هيكلياً مستمراً في الطلب، حيث يتوقع أن يرتفع من 27 مليون طن في 2025 إلى 31 مليون طن في 2026، مدفوعاً بزيادة استهلاك الكهرباء، وتوسع مراكز البيانات، وإحلال الغاز محل الفحم. وتظل تايلاند الأكثر عرضة لتقلبات السوق لاعتمادها الكبير على الشراء الفوري، بينما تواصل فيتنام بناء سوقها مع تشغيل أولى محطات الكهرباء العاملة بالغاز وتوقيع عقود طويلة الأجل.
رغم التراجع الحالي، رجحت تقديرات "وود ماكنزي" عودة الطلب في آسيا والمحيط الهادئ للنمو مجدداً بدءاً من عام 2027 ليسجل 279 مليون طن، ويرتفع إلى 297 مليون طن بحلول عام 2028، بدعم من دخول طاقات تسييل وإعادة تغويز جديدة للخدمة واستئناف النمو الاقتصادي.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا السيناريو متوقف على استقرار أسواق الطاقة العالمية وانحسار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، أشار "راميش"، المحلل بالشركة، إلى أن حقبة وفرة الغاز الطبيعي المسال قد انتهت مؤقتاً لصالح سوق أكثر تشدداً وتنافسية، مما يجبر المشترين على إعادة صياغة استراتيجياتهم وتسريع وتيرة التحول نحو البدائل.