عاجل

شراكة خضراء عابرة للحدود.. كيف تستفيد مصر من التجربة الصينية الرائدة

الصين
الصين

في عصر تشكل فيه الاضطرابات المناخية، وفقدان التنوع البيولوجي، والتصحر المتسارع تهديدات وجودية للاستقرار العالمي، تحولت الحوكمة البيئية من مجرد سياسة وطنية معزولة إلى مصير عالمي مشترك. 
وفي الفترة من 28 مايو إلى 10 يونيو 2026، استضافت مدينة بكين التاريخية النابضة بالحياة الندوة الدولية للتعاون في مجال الغابات، والتي نُظمت تحت رعاية الأكاديمية الوطنية لإدارة الغابات والمراعي.

في هذا السياق أوضح الدكتور عطية جاد، باحث بمركز البحوث الزراعية بمصر، أن مشاركته  في هذه الندوة المكثفة لم تكن مجرد تبادل أكاديمي، بل كانت رحلة مهنية عميقة وملهمة؛ حيث سلطت الضوء على كيفية تقدم الصين لتصبح دولة نموذجاً يُحتذى به—ومثالاً تؤمن أفعاله مستقبل الأجيال العالمية وتحمي المظلة الجماعية للبشرية.

المسؤولية الجماعية من القمة إلى القاعدة
وتابع: لفهم التطورات الحديثة في قطاع الغابات بالصين، لا بد من استيعاب الفلسفة السياسية التوجيهية التي تحركها، فالمبدأ الأساسي للرئيس "شي جين بينغ"— هو أن"المياه الخضراء والجبال الخصبة هي أصول لا تقدر بثمن"—قد رفع مكانة الصين لتصبح قائداً مبادراً في الحوكمة البيئية العالمية،  ومع ذلك، فإن الدرس الأكثر عمقاً المستفاد من النموذج الصيني هو أن الحفاظ على البيئة لا يتم التعامل معه أبداً على أنه مجرد تكليف بيروقراطي، بل يُمارس كواجب أخلاقي مشترك يمتد عبر المجتمع بأكمله.

هذه ليست مجرد صورة عادية؛ إنها لحظة رمزية قوية تظهر الرئيس "شي جين بينغ" ممسكاً بمجرفة، ويقف جنباً إلى جنب مع أطفال المدارس لزراعة الأشجار،إذ تعكس هذه الصورة دليلا حيا وتجريبيا على أن حماية البيئة ومكافحة التصحر في الفلسفة الصينية ليست مجرد مرسومات حكومية تصدر من الأعلى إلى الأسفل، بل تمثل مسؤولية وطنية مشتركة تقع على عاتق الجميع—من أصغر طفل في المدرسة إلى رئيس الدولة.

كما تدعم هذه الصورة القوية للوحدة الإطار الهيكلي بأكمله للتحول الأخضر في الصين وتوضح حقيقة اجتماعية وبيئية حيوية، هى أنه لا يمكن لأي أمة أن تحارب التصحر بنجاح دون ترسيخ الوعي البيئي في الأفعال اليومية لشبابها، إذ يعد هذا النهج الشامل بمثابة مخطط عالمي ملهم، يثبت أن تأمين بيئة مستقرة يتطلب تضامناً مطلقاً بين جميع الأجيال.

ويعمل هذا الالتزام بين الأجيال كدرع حيوي ضد التوقعات المخيفة لتغير المناخ الحديث، كما تم استكشافه خلال جلساتنا الفنية، حيث يواجه المجتمع العالمي تحولات كارثية إذا ظلت التدهور البيئي دون رادع.

تصور الإلحاح المناخي 
ويشير جاد، إلى أن التغيرات العالمية المحاكاة توضح أنه مع كل زيادة في الاحتباس الحراري، يزداد التدهور البيئي وتفاوت درجات الحرارة في جميع أنحاء العالم (عند عتبات 1.5 درجة مئوية، و2 درجة مئوية، و4 درجات مئوية)، مما يستدعي تحركاً عالمياً فورياً.

السياق المصري: تطويع استراتيجيات النموذج القدوة مع النظم البيئية القاحلة

ويردف قائلا التتبع البيئي الذكي يتمثل في تطويع نظام الرصد المتكامل المتطور (الفضاء-الجو-الأرض) الخاص بالصين لرسم خرائط تدهور التربة ومراقبة حدود مناطق التوسع الزراعي في مصر؛ وهو محور رئيسي يقوده حالياً استخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بعد في مركز البحوث الزراعية المصري.

إضافة إلى ترقية الغابات الخشبية الاصطناعية في مصر—مثل غابة سرابيوم في الإسماعيلية، والتي تعتمد كلياً على مياه الصرف الصحي المعالجة—من خلال الاستفادة من تقنيات الصين الدقيقة في زراعة الغابات لزيادة قدرة الأراضي القاحلة على احتجاز الكربون، والمرونة في المناطق القاحلة واختيار الجينات من خلال إدخال نماذج نباتية مقاومة للمناخ وقادرة على تحمل الملوحة الشديدة وظروف الجفاف الفائق على طول أطرافنا الصحراوية.

اتأمين المظلة الجماعية للبشرية
واختتم د. عطية جاد، أن المشاركة في بكين  عززت حقيقة عالمية عميقة؛ وهي أن الصين نمت لتصبح منارة بيئية تعبر خبراتها الحدود دون عناء، من خلال تفعيل أنظمة المراقبة المتقدمة المعتمدة على عصر الفضاء، وإنفاذ أطر تنظيمية صارمة، والمواءمة بين الاستمرار الاقتصادي والحفاظ على الطبيعة، تعمل الصين كركيزة حماية للكوكب.

كما تمثل الشراكة بين مركز البحوث الزراعية المصري والنظير الصيني هي شهادة على هذه الرؤية المشتركة وتأمين بيئة مستقرة هو مسؤولية جماعية—مما يضمن غداً أكثر خضرة، وأماناً، واستدامة للبشرية جمعاء.

تم نسخ الرابط