عاجل

جميلٌ أن تكون ذا طموح، متطلعًا لمعالي الأمور، وتقلُّد المناصب القيادية، التي تمكنك من أن تأمر فتُطاع، وتتكلم فيُسمع لكلامك، وتتفكه ولو بنكات سخيفة، فيبتسم المستمعون، وربما وصل بهم الأمر لحد القهقهة المصطنعة؛ طمعًا في رضاك، ونيل عطاياك.
وإذا كان جميلًا كل ما سبق، فغير الجميل أن تأخذ ما ليس حقك، وتنال منصبًا أو مكانة دون أن تكون أهلاً لها؛ لمجرد أنك على هوى رئيسك، أو أنك تغض الطرف عن عيوبه وأخطائه، أو تشاركه في فساده وجرائمه، دون اكتراث لمصلحة المؤسسة التي تعمل بها، ومن المفترض أن تكون فيها عامل بناء لا معول هدم!
المؤسف أن هذا هو حال كثير من مؤسسات الدولة التي تعاني أزمة إدارة؛ بسبب اختيار "أهل الثقة" وليس "أصحاب الكفاءة"، فيزداد الطين بلة، وتتعاقب القيادات على المؤسسة أياً كانت، وتكون النتيجة (محلك سر)، دون أن نلمس إنجازًا ملموسًا، أو مشروعًا بدأه مسؤول سابق وأنجزه اللاحق.
وهذا هو المعنى الذي دفع الشاعر القديم لأن يقول: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبني وغيرك يهدم ؟!
والمعنى أنه لن تقوم لأي بناء قائمة، ولن يرى النور مشروعٌ - أياً كان - مادامت هناك فئة تكره النجاح، وتصوب طلقاتها الطائشة في كبد أي مشروع يحقق الخير للبلاد، ويصل بمصر إلى بر الأمان.
إن أزمتنا في مصر المحروسة أننا نجيد الكلام أكثر من العمل، ونحسن النقد الهدام، الذي يهون كل إنجاز، ويحقر كل نجاح، دون أن نشمر عن ساعد الجد للعمل، الذي يعد ضمانة التقدم والرخاء، وهذا ما فطن إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حينما قال: «اعملوا فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة».
وحتى لا يكون عمل المسؤول - أياً كان موقعه - أشبه بالنقش على الماء، ولكيلا يكون كده وتعبه بمثابة التغريد خارج السرب، فلابد له أن يؤمن بعظم الدور الملقى على عاتقه، والمسؤولية التي تجشم مشقة حملها، فيعلم أنه راعٍ مسؤول عما يعمل، ومحاسب عليه بين يدي ربه، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
هذا بالإضافة إلى ضرورة أن يكون اختياره للهيكل الإداري المعاون له قائماً على اختيار أهل الكفاءة وليس أهل الثقة، ممن يرطنون بقول الحق بعدما فسروه حسب أمزجتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أو الذين "يربطون الحمار مكان ما يريد صاحبه".
إن أزمة مؤسساتنا تتمثل في عدم وجود القيادة الرشيدة التي تفتش عن مواطن الداء، فتأخذ على يد المخطئ، وتكافئ المجتهد، بل إن بعضهم يؤثر أن يمسك العصا من المنتصف دون أن يكون حاسماً في قراره فينفرط منه العقد!
إن أمل أمتنا مرهون بتطهير الجهاز الإداري، وعدم التجديد للمسؤول بعد انتهاء مدته مهما تكن كفاءته، والضرب بيد من حديد على يد كل فاسد يسمح بالرشوة، ويؤصل لقانون المحسوبية، الذي يحرم أصحاب الكفاءة، ويفتح الباب على مصراعيه للأقزام وغير الموهوبين!
وأخيراً، دعونا نتفق على أننا في مركب واحد؛ لو تركناه للفاسدين غرقوا وغرقنا جميعاً، ولو أخذنا على أيديهم نجوا، ونجت مصر كلها!
 

تم نسخ الرابط