في فجر الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1954، كانت مجموعة صغيرة من الرجال والنساء تقف في منزل متواضع بإحدى ضواحي مدينة شيكاغو الأمريكية، وقد أيقنت أن العالم لن ينجو إلا إذا جاءت مركبة فضائية لتنقذ المؤمنين المختارين.
مرت الساعة الموعودة، ولم تأتِ المركبة، ولم ينشق الفضاء، ولم تنتهِ الأرض كما وعدت النبوءة.
كان المنطق البسيط يقول إن أفراد الجماعة سيعترفون بخطئهم، أو على الأقل سيشككون فيما صدقوه طوال الأشهر السابقة.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ ازداد كثير منهم تمسكًا بأيدولوجيتهم ، وخرجوا يدعون الآخرين إليها بحماس أكبر مما كانوا عليه قبل سقوط النبوءة.
هذه الواقعة، التي وثقها عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ليون فستنجر (Leon Festinger 1919 – 1989 ) ، في كتاب " عندما تفشل النبوءة " ، ( When Prophecy Fails ) ، لم تكن مجرد قصة عن جماعة دينية متطرفة ، بل كانت نافذة لفهم واحدة من أخطر آليات العقل المتطرف .
فالمتطرف لا يخاف الحقيقة ، بل يخاف الثمن الذي ستفرضه عليه الحقيقة !!
إنه لا يخشى سقوط الفكرة بقدر ما يخشى سقوط ذاته معها.
فالإنسان لا يصبح متطرفًا لأنه أخطأ في فهم الحقيقة، بل لأنه قرر أن يحمي أوهامه من الحقيقة، مهما كان الثمن.
ومن هنا تبدأ أوهام الحقيقة المطلقة.
حين تصبح الحقيقة عدوًا
في عام 1957 نشر ليون فستنجر كتابه الأشهر " نظرية التنافر المعرفي " A Theory of Cognitive Dissonance ) ) ، واضعًا إحدى أهم النظريات في علم النفس الاجتماعي الحديث.
تقوم الفكرة على أن الإنسان يسعى دائمًا إلى الاتساق بين معتقداته وسلوكه.
فإذا اصطدم بحقيقة تناقض ما يؤمن به، نشأ داخله توتر نفسي مؤلم يُعرف بـ"التنافر المعرفي".
وللتخلص من هذا الألم، يكون الطريق الأسهل في كثير من الأحيان ليس تغيير الفكرة، بل إعادة تفسير الواقع نفسه.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكون الهزيمة دائمًا بداية المراجعة، بل قد تتحول إلى بداية مرحلة جديدة من التطرف !!
فالاعتراف بالخطأ ليس مجرد تعديل لرأي سياسي أو فكري، وإنما قد يعني انهيار سنوات من التضحيات، وخسارة هوية كاملة بُنيت على الاعتقاد بأن المرء يمتلك الحقيقة المطلقة.
ولهذا يفضل العقل المتطرف أن يغيّر تفسير الأحداث، لا أن يغيّر نفسه؛ فمراجعة الفكرة عنده ليست تصحيحًا لمسار، بل انتحارًا للهوية.
تكلفة الاعتراف
قدمت عالمة النفس الأمريكية كارول تافريس ( 1944 (Carol Tavris، مع عالم النفس الأمريكي إليوت آرونسون ( 1932 (Elliot Aronson، في كتابهما " لقد ارتُكبت أخطاء... لكن ليس بواسطتي " ( Mistakes Were Made But Not by Me) تفسيرًا بالغ الأهمية لهذه الظاهرة.
ويطرح الكتاب سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:
"كيف نتعلم من أخطائنا إذا كنا عاجزين أصلًا عن الاعتراف بأننا أخطأنا؟"
ليست المشكلة أن الإنسان يرتكب الخطأ ، المشكلة أنه يبدأ في الدفاع عنه ، ثم يبرره ، ثم يبني فوقه أخطاءً جديدة !!
ثم يتحول الدفاع عن الخطأ إلى جزء من الدفاع عن الكرامة الشخصية .
وهكذا يصبح الاعتراف بالحقيقة أكثر ألمًا من الاستمرار في الوهم.
ولذلك، فإن كثيرًا من التنظيمات المتطرفة لا تنهار بعد الفشل، بل تنتج خطابًا جديدًا يفسر الفشل بوصفه ابتلاءً، أو مؤامرة، أو امتحانًا للإيمان، فتتحول الهزيمة إلى دليل جديد على صحة الفكرة، بدلًا من أن تكون دليلًا على بطلانها؛ فالعقل المتطرف لا يعيد بناء قناعاته على الواقع، بل يعيد بناء الواقع على قناعاته.
عندما يصبح الانتماء للوهم أقوى من العقل
لا يعيش الإنسان داخل الأفكار فقط، بل داخل الجماعات أيضًا.
ولهذا أوضح المفكر الألماني الأمريكي ألبرت هيرشمان (Albert O. Hirschman 1915 – 2012 ) ، في كتابه " الخروج، والاعتراض، والولاء " ( and Loyalty Exit, Voice )
أن الولاء المفرط لا يربط الإنسان بالجماعة المتطرفة فحسب، بل يسجنه داخلها، حتى يصبح الخروج منها انهيارًا لهويته قبل أن يكون مغادرةً لتنظيم إرهابي !!
فكلما استثمر الفرد سنوات من عمره في تنظيم أو أيدولوجيا ، أصبح الانسحاب مكلفًا نفسيًا واجتماعيًا.
الخروج يعني الاعتراف بأن العمر ضاع.
وأن التضحيات كانت في غير موضعها.
وأن الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه كانت وهمًا.
ولذلك يظل كثيرون داخل الجماعات المتطرفة، لا لأنهم مقتنعون دائمًا، بل لأن الاعتراف بالحقيقة لم يعد يعني مراجعة فكرة، وإنما محاكمة عمرٍ كامل.
حين يقاوم العقل الأدلة
قد يبدو أن هذه الظاهرة تخص التنظيمات الإرهابية وحدها، لكنها تمتد إلى مجالات أوسع.
فقد بين المؤرخ الأمريكي توماس كون (Thomas S. Kuhn 1922 – 1996 ) ، في كتابه " بنية الثورات العلمية "
(The Structure of Scientific Revolutions)
أن النماذج الفكرية السائدة لا تتغير بمجرد ظهور الأدلة المناقضة، بل تقاوم التغيير حتى يتراكم من الشواهد ما يجعل النموذج القديم عاجزًا عن تفسير الواقع.
و حتى المجتمعات العلمية لا تستسلم بسهولة لانهيار نماذجها الفكرية الراسخة، بل تقاومها حتى يصبح إنكار الواقع مستحيلاً.
فالإنسان يميل بطبيعته إلى الدفاع عن الإطار الذي اعتاد التفكير من خلاله، ولا ينتقل إلى نموذج جديد إلا عندما يصبح النموذج القديم عاجزًا تمامًا عن تفسير الواقع تماما .
فإذا كان هذا يحدث في العلم، فإن العقل المتطرف يذهب إلى ما هو أبعد؛ إذ لا يكتفي برفض الأدلة، بل يعيد تأويلها حتى تبقى أوهامه بمنأى عن السقوط.
المؤمن الحقيقي .. ما وراء الأيديولوجيا
قدم المفكر الأمريكي إريك هوفر (Eric Hoffer 1902 - 1983 )، في كتابه " المؤمن الحقيقي "
(The True Believer)
ملاحظة شديدة العمق ، فالحركات المتطرفة لا تمنح أتباعها برنامجًا سياسيًا حقيقياً ، بل تمنحهم هويةً بديلة، ومعنىً يبرر وجودهم، ووهمًا بحياةٍ أكبر من ذواتهم المنكسرة !!
ولهذا فإن انهيار الفكرة قد يعني بالنسبة لبعض الأتباع انهيار الحياة نفسها ، وحين تصبح الأيدولوجيا هي الهوية، يتحول الدفاع عنها إلى دفاع عن الذات !!
ومن هنا يتحول الإنكار من آلية دفاع نفسي إلى آلية لإدامة الوهم، فيغدو الطريق الذي يبدأ بحماية الفكرة، منتهيًا بتبرير كل ما يُرتكب باسمها من جرائمٍ وإرهاب.
الهزيمة قد تولد تطرفًا جديدًا
تكشف شواهد التاريخ، منذ الخوارج إلى نشأة جماعة الإخوان المتأسلمين، مرورًا بسقوط الأنظمة الفاشية في القرن العشرين، أن أعظم الأخطاء الاستراتيجية هو الاعتقاد بأن انهيار البنية التنظيمية كفيل بإطفاء النار التي أشعلتها فكرتهم المتطرفة في العقول .
فالتطرف لا يسكن المقرات، بل يسكن البنية العميقة للعقل؛ ولهذا قد يُهزم التنظيم، بينما تبقى الفكرة المتطرفة تبحث عن جسد جديد.
و تبقى البنية النفسية التي أنجبته حية ، تعيد إنتاج الوهم بأسماء جديدة، وشعارات مختلفة، وخصوم مستحدثين.
وحين يعجز العقل المتطرف عن مواجهة هزيمته التاريخية، لا يعترف بها، بل يعيد تأويلها؛ فتتحول الخسارة إلى ابتلاء، والفشل إلى مؤامرة، والانكسار إلى وقود لجولة جديدة من الصراع.
وهكذا لا يكتفي بإعادة إنتاج أفكاره المتطرفة ، بل يعيد إنتاج أعدائه أيضًا، لأن بقاءه النفسي مرهون ببقاء المعركة التي تمنحه وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
ومن هنا، فإن الانتصار على التطرف لا يكتمل بإسقاط تنظيماته أو ملاحقة قياداته فقط ، بل أيضا بتحرير العقل البشري من الآليات النفسية التي تعيد إنتاجه.
فالمعركة الحقيقية ليست ضد تنظيم يولد ثم يموت، وإنما ضد عقلٍ كلما سقط وهمٌ من أوهامه، ابتكر وهمًا جديدًا يحتمي به.
الحقيقة تحتاج إلى شجاعة
كان الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل
( 1872 - 1970 (Bertrand Russell يرى أن من علامات العقل الناضج استعداده لتغيير رأيه عندما تتغير الأدلة ، أما العقل المتطرف، فإنه يفعل العكس تمامًا ، كلما ازدادت الأدلة وضوحًا ، ازداد تمسكًا بوهمه.
لأن الحقيقة بالنسبة إليه لم تعد مسألة برهان، بل مسألة هوية.
وهنا تكمن المأساة الكبرى ، فالتطرف لا يبدأ حين يحمل الإنسان السلاح ، بل يبدأ في اللحظة التي يصبح فيها الاعتراف بالخطأ أخطر عنده من الاستمرار في الخطأ !!
ومن تلك اللحظة، لا يعود الواقع هو الذي يصوغ الفكرة، بل تصبح الفكرة المتطرفة هي التي تعيد تشكيل الواقع، حتى لو كان الثمن إنكار الحقيقة، والعيش داخل أوهام الحقيقة المطلقة، حيث لا يُحاكَم الوهم على ضوء الواقع، بل يُحاكَم الواقع على ضوء الوهم.