عاجل

وافق مجلس النواب على قانون تأسيس صندوق مستقبل مصر السيادي للتنمية المستدامة وهى خطوة مؤسسية في مسار تطوير أدوات إدارة الأصول العامة وتعظيم الاستفادة منها بما يتوافق مع التوجهات الحديثة للاقتصاد المصري ورؤية مصر 2030. ويكتسب الصندوق أهمية خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية فضلاً عن تواجد مصر في واحدة من أكثر المناطق الاستراتيجية حساسية في العالم والتي توصف بأنها "حزام نار" نتيجة تعدد بؤر الصراعات الممتدة في الشرق الأوسط والخليج العربى والبحر الأحمر وشرق المتوسط وشمال أفريقيا.

 ويتضمن القانون 13 مادة إصدار بالإضافة إلى 81 مادة موضوعية موزعة على بابين أساسيين تضمنت مواد الإصدار الأحكام الخاصة بتقنين الأوضاع القانونية السابقة للجهاز حيث نظم الباب الأول النظام المالى للجهاز ومصادر رأسماله وموارده وينشئ صندوقين تابعين له هما الصندوق السيادى والصندوق الخدمى ويحدد اختصاصات كل منهما ويتناول الباب الثانى تنظيم مجالات عمل الجهاز ووضع إطارً متكاملً لإنشاء وإدارة مناطق التنمية المستدامة ويحدد قواعد تخصيص الأراضى وإدارتها وآليات إصدار التراخيص.

 ومن منظور اقتصادي ومؤسسي، لايقتصر تقييم الصندوق على أهدافه الاستثمارية وإنما يمتد إلى مدى اتساقه مع مبادئ سانتياجو(عاصمة دولة شيلى) وهي المعايير الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة وتحكم عمل الصناديق السيادية والتي ترتكز على الحوكمة الرشيدة والشفافية والاستقلالية الاستثمارية والإدارة الاحترافية للمخاطر وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

 وتتمثل فلسفة تأسيس الصندوق فى وجود توافق مع العديد من مبادئ سانتياجو فمن حيث الإطار المؤسسي يأتي الصندوق في إطار قانوني محدد يوضح أهدافه واختصاصاته وهو ما يتماشى مع المبادئ الخاصة بوضوح الإطار القانوني وتحديد العلاقة بين الدولة والصندوق ويعكس التركيز على الإدارة الاحترافية وتعظيم العائد الاقتصادي للأصول التوجه نحو الفصل بين الاعتبارات الاستثمارية والاعتبارات الإدارية التقليدية وهو أحد أهم مرتكزات مبادئ سانتياجو.

 وعلى مستوى الحوكمة، فإن نجاح الصندوق سيكون مرهونًا باستمرار الالتزام بأفضل الممارسات الدولية في الإفصاح والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر وقياس الأداء بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب ويرفع من التصنيف المؤسسي للصندوق في المؤشرات الدولية الخاصة بالصناديق السيادية.

واقتصاديًا، يمثل الصندوق أداة جديدة لتحويل الأصول غير المستغلة أو منخفضة العائد إلى أصول منتجة تساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي ورفع كفاءة استخدام رأس المال الوطني فبدلاً من الاعتماد على بيع الأصول يتيح نموذج الصندوق إمكانية تطويرها واستثمارها وإعادة تدوير قيمتها الاقتصادية بصورة مستدام وهو ما يسهم في تعظيم ثروة مصر على المدى الطويل ويمتلك الصندوق القدرة على جذب استثمارات محلية وأجنبية من خلال الدخول في شراكات مع القطاع الخاص والصناديق السيادية العالمية والمؤسسات الاستثمارية الدولية وهو ما يوسع قاعدة التمويل دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية ويخفض الضغوط على الدين العام ويزيد من تدفقات النقد الأجنبي.

ومن المنتظر أن تتجاوز أهداف الصندوق الجانب المالي لتشمل أبعادًا تنموية متعددة مثل المساهمة في تمويل مشروعات البنية الأساسية والتصنيع والزراعة الحديثة والطاقة الجديدة والمتجددة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية بما يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ويرفع معدلات الإنتاجية ويزيد من تنافسية الاقتصاد المصري.

ومن الجانب المجتمعي، فإن نجاح الصندوق في تحقيق عوائد مستقرة سيساعد فى تحسين جودة الخدمات العامة وزيادة الإنفاق التنموي ودعم برامج الحماية الاجتماعية بصورة غير مباشرة من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة مرونتها ومضاعفة الإيرادات المستدامة لمصر.

وتزداد أهمية الصندوق بعد اعادة تنظيمه إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقع الجيوسياسي لمصر وتواجدها في منطقة حزام نارى تتعرض باستمرار لمخاطر الحروب وتعطل سلاسل الإمداد والتوريد وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء واضطرابات التجارة الدولية وهو ما يجعل امتلاك صندوق سيادي قوي أحد أدوات تعزيز الأمن الاقتصادي الوطني  ولايمثل الصندوق مجرد وعاء استثماري بل يعد آلية استراتيجية لإدارة الثروة الوطنية في أوقات الاستقرار والأزمات بما يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية سواء اقليمية أو دولية والحفاظ على استمرارية المشروعات التنموية الكبرى، كما أن وجود صندوق سيادي قادر على الاستثمار طويل الأجل يمنح مصر مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الدولية ويقلل من التأثر بالدورات الاقتصادية العالمية خاصة إذا تنوعت استثماراته قطاعيًا وجغرافيًا وتم تطبيق سياسات متقدمة لإدارة المخاطر.

 ومن المنتظر أن يساهم الصندوق في تحسين بيئة الاستثمار داخل مصر لأن تطبيق معايير الحوكمة الدولية والالتزام بمبادئ سانتياجو يرسل رسالة طمأنة للمستثمرين العالميين بأن الاستثمارات بمصر تدار وفق قواعد مؤسسية واضحة وشفافة وهو ما يرفع من مستويات الثقة ويشجع على ضخ استثمارات جديدة.

 ويتطلب تحقيق هذه الأهداف استمرار تطوير منظومة الحوكمة وتعزيز الإفصاح الدوري عن الأداء المالي والاستثماري وتطبيق معايير دولية في تقييم الأصول وتبني سياسات واضحة لإدارة المخاطر مع الاستثمار في الكفاءات البشرية والخبرات المتخصصة بما يضمن تحقيق أعلى عائد ممكن مع المحافظة على الاستدامة المالية، وقد يتجاوز اجمالى الناتج المحلى الاجمالى لمصر خلال الثلاث سنوات المقبلة 650 مليار دولار أمريكى .

  وفي الختام، يمثل صندوق مستقبل مصر السيادي للتنمية المستدامة تطورًا هاما في بنية الاقتصاد المصري ويتسق بدرجة كبيرة مع الفلسفة العامة لمبادئ سانتياجو التي تجعل من الحوكمة والشفافية والاستثمار الاحترافي أساسًا لإدارة الثروة السيادية وإذا اقترن ذلك بالتنفيذ المؤسسي الفعال والإفصاح المنتظم واستقلالية القرار الاستثماري فإن الصندوق يمكن أن يتحول إلى إحدى الركائز الرئيسية لتعزيز التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات ورفع كفاءة إدارة أصول الدولة وتعزيز الأمن الاقتصادي لمصر خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متقلبة بما يدعم قدرة مصر على تحقيق التنمية المستدامة وتأمين مصالح الأجيال الحالية والقادمة.

تم نسخ الرابط