عاجل

تواجه الدولة المصرية في مرحلتها الراهنة تحديات غير مسبوقة تستهدف جبهتها الداخلية وتماسكها المجتمعي. وفي حين تتجه الأنظار دائماً نحو السياسات الاقتصادية والأمنية لمواجهة هذه التحديات، يغفل الكثيرون الجذور الثقافية والتربوية للأزمة. إن تراجع قيم الانتماء والوطنية، وظهور ملامح الانفلات الأخلاقي، وتأثر الشباب بالشائعات والأفكار الهدامة، ليس مجرد مصادفة، بل هو نتاج مباشر لـ"فراغ توعوي" تركه تراجع الدور الحيوي لمؤسسات عديدة، أهمها مؤسسات الثقافة والشباب والرياضة.
لقد تحولت المؤسسات التي أُسست لتكون "حاضنات وطنية" لبناء الإنسان إلى كيانات بيروقراطية أو استثمارية، مما أدى إلى اغتراب الشباب وفقدان قنوات التواصل الشرعية مع الدولة. وأخطر هذه القطاعات هي مراكز الشباب، التي تحولت من مصنع للانتماء وبناء توجهات الشباب واحتوائهم إلى "مشروعات استثمارية" طاردة لا تؤدي أي دور تقريباً خلال السنوات السابقة، وتحديداً منذ بدء تحويلها لكيانات تهتم بالربح أولاً وأخيراً. وكانت البداية بمركز شباب الجزيرة الذي كان وجهة كل شباب القاهرة والمحافظات المحيطة، وكان له دور رياضي مهم إلى جانب النشاطات الثقافية والتربوية والتوعوية، حتى تحول فجأة إلى قطاع استثماري بدأ بزيادة اشتراكه بعد عملية تطوير ليصل إلى ثلاثين ألفاً من الجنيهات وقتها، بعد أن كان جنيهات معدودة تناسب الشباب.
والآن، وللأسف الشديد، تحول مركز شباب الجزيرة إلى شيء آخر لا علاقة له باحتواء الشباب، وتضاعف اشتراكه ومعها رسوم واشتراكات الألعاب، وتقريباً لم نعد نسمع عن فعاليات أو أنشطة ثقافية أو حتى رياضية؛ فكيف لشاب صغير أن يدفع اشتراكاً بهذا الشكل غير المقبول؟ بل كيف يدخل أصلاً لهذا المكان الاستثماري الذي يفترض فيه أنه مكان أُنشئ خصيصاً لاحتواء الشباب وتوجيههم وبناء عقولهم وتوعيتهم؟
ولللأسف الشديد أيضاً، تحولت كل مراكز الشباب على مستوى الجمهورية لنفس السياسة، وتحولت لمراكز استثمارية همها الأول جمع المال وليس احتواء الشباب.
تاريخياً، أُنشئت مراكز الشباب في القرى والمدن المصرية لتكون متنفساً مجانياً أو رمزياً يجمع النشء، ويغرس فيهم قيم العمل الجماعي، والانتماء، والمسؤولية الوطنية من خلال الأنشطة الرياضية، والمعسكرات الصيفية، وندوات التثقيف السياسي والوطني.
إلا أن الواقع الحالي، كما قلنا، يشهد تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة هذه المراكز من قِبل وزارة الشباب والرياضة والجهات التابعة لها، فأصبح التوجه نحو الخصخصة والاستثمار. وبموجب خطط "التمويل الذاتي" والاستثمار، تحولت ملاعب ومرافق مراكز الشباب إلى مشروعات استثمارية تُؤجر بأسعار لا تناسب الأسر متوسطة ومحدودة الدخل، بالإضافة إلى رفع الاشتراكات والرسوم كما قلنا، فأصبح دخول مركز الشباب أو ممارسة لعبة رياضية فيه يتطلب اشتراكات باهظة، مما حوّل هذه المراكز من مؤسسات "خدمية شعبية" إلى نوادٍ مصغرة تخدم فئات قادرة مالياً فقط!
إن تراجع الاهتمام بالأنشطة التثقيفية والصالونات السياسية الواعية ومعسكرات الخدمة العامة التي كانت تربط الشاب ببيئته المحلية وتنمي لديه روح العطاء لوطنه -ليقتصر دور المراكز على النشاط التجاري الرياضي البحت- عامل مهم بل هو الأهم في تراجع مفاهيم الوطنية والانتماء وإهمال توجيه الشباب وبناء شخصيتهم. والنتيجة أنه عندما يجد الشاب البسيط نفسه مطروداً من مركز شباب قريته أو حيه لعدم قدرته المادية، يتولد لديه شعور بالاغتراب والطبقية، ويصبح لقمة سائغة لمنصات التواصل الاجتماعي أو الجماعات المتربصة التي تحتويه مجاناً لتوجيه طاقاته ضد مجتمعه.
وعلى جانب آخر، هناك تراجع ملحوظ في قصور الثقافة والمراكز الثقافية وكل منابر وزارة الثقافة، وهو ما كان سبباً أساسياً لغياب الهوية وتراجع الدور التنويري لها.
لقد كانت "الثقافة الجماهيرية" وقصور الثقافة المنتشرة في ربوع مصر بمثابة "خط الدفاع الأول" ضد الأفكار المتطرفة والجهل. ومن خلال المسرح والسينما الشعبية ومكتبات القراءة والندوات، نجحت هذه القصور عقوداً طويلة في تشكيل وجدان المواطن المصري العادي والارتقاء بذوقه العام.
أما اليوم، فتعاني الهيئة العامة لقصور الثقافة والجهات التابعة لوزارة الثقافة من تراجع حاد وملموس في دورها المنوط بها تجاه الشباب، بل تجاه الكبار أيضاً؛ فلم يعد لهيئات وزارة الثقافة أي دور سوى حفلات فنية موسيقية وخلافه، وتحولت معظم قصور الثقافة إلى مبانٍ مغلقة أو مكاتب إدارية للموظفين تفتقر إلى الأنشطة الجاذبة والفعالة، وغاب التجديد في الأدوات والخطاب الثقافي ليتواكب مع لغة العصر التي يفهمها الشباب.
لقد انعدم الدور القديم لقصور الثقافة في تنظيم قوافل ثقافية تجوب القرى والنجوع لنشر التوعية ومواجهة الانفلات الأخلاقي ومناقشة التحديات الوطنية بشكل عقلاني يلامس الواقع.
وبإهمال المبدعين من الشباب، توقفت هذه المراكز عن كونها منصة لاكتشاف المواهب الشابة ورعايتها (في الشعر والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية)، وهو ما جعل الشباب يبحثون عن بدائل عشوائية على الإنترنت ساهمت في انحدار الذوق العام والترويج لقيم الاستهلاك والابتذال. وعلى سبيل المثال: هل يسمع أحد الآن عن أي نشاط للمسرح القومي الذي كان يوماً ما قبلة المثقفين في مصر والعالم العربي بما يقدمه من مسرحيات وأعمال عالمية لكبار الكتاب المصريين والعرب والأجانب؟ لا أعتقد.. والكلام ينطبق على باقي مسارح الدولة التي أصبحت في غيبوبة بعيداً عن الواقع الثقافي وعن دورها الكبير في الرقي بالذوق العام وخاصة للشباب.
وفي ظل التربص والأوضاع العالمية التي تحاصرنا الآن، نواجه خطورة الفراغ التوعوي لأجيال جديدة فقدت بوصلة التوجيه الصحيح، ففقدت بالضرورة الانتماء وتكوين الشخصية السليمة الواعية الوطنية التي تؤمن بالوطن إيماناً لا يقبل التشكيك.
إن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وعندما تتخلى وزارتا الثقافة والشباب عن دورهما في احتواء وتوعية الشباب، فإن جهات أخرى تتقدم لملء هذا الفراغ. وفي ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة، يستغل المتربصون بالدولة هذا "الغياب المؤسسي" لبث سمومهم؛ فالشاب الذي لا يجد كتاباً يقرأه في قصر الثقافة، أو ندوة توضح له الحقائق، أو ملعباً يفرغ فيه طاقته، ينتهي به الأمر وحيداً أمام شاشات الهواتف الذكية حيث يتلقى جرعات مكثفة من الإحباط والشائعات والأفكار التي تربط معاناته الاقتصادية بفشل الهوية الوطنية، مما يؤدي تدريجياً إلى تآكل قيمة الانتماء لديه.
إذن، كيف تعود هذه المؤسسات لدورها؟
إن مواجهة هذه الأزمة لا تتطلب ميزانيات ضخمة بقدر ما تتطلب إرادة سياسية وتغييراً في الفلسفة الإدارية؛ أولاً بإعادة النظر في "استثمارية" مراكز الشباب التي يجب أن يظل النشاط الأساسي والتربوي والتثقيفي فيها مدعوماً ومتاحاً لجميع الفئات مجاناً أو برسوم رمزية، مع قصر الاستثمار على الجوانب التجارية الهامشية التي لا تحرم الشاب البسيط من حقه في الرعاية.
وعلى الجانب الآخر، لابد من إحياء مشروع الثقافة الجماهيرية وتحويل قصور الثقافة إلى مراكز حيوية تفاعلية، وفتح أبوابها ليلاً ونهاراً للشباب، وتقديم ورش عمل مجانية في مجالات التكنولوجيا والفنون، واستخدام لغة رقمية حديثة تجذب جيل اليوم.
لابد أيضاً من إطلاق حملات ومبادرات قومية مشتركة بين وزارات الشباب، والثقافة، والتربية والتعليم، والتضامن الاجتماعي، تستهدف النزول الميداني للشباب في بيئاتهم، وبدء حوارات مفتوحة وصادقة معهم حول التحديات الاقتصادية والسياسية دون تجميل أو تزييف، لبناء جيل يمتلك "مناعة فكرية" ضد الهدم.
إن الأمن القومي لأي دولة لا يُبنى بالأسلحة والتحصينات المادية فقط، بل يُبنى أولاً في عقول أبنائها. وتراجع دور وزارتي الثقافة والشباب في البناء الأخلاقي والوطني يمثل ثغرة نواجه بسببها الكثير من التحديات الحالية.
إن استعادة الانتماء تبدأ من إعادة فتح هذه المؤسسات كبيوت آمنة ومجانية لكل شباب مصر.. تُنمي عقولهم.. وتحتوي طاقاتهم.. وتغرس فيهم أن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية.. بل هو هوية وكرامة تستحق الحماية والعمل.

تم نسخ الرابط