كلما شاهدت مقطع فيديو لجريمة أو مشاجرة أو بلطجة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت لا أسأل: "مين عمل كده؟".. وإنما أسأل: "إمتى هتنزل وزارة الداخلية البيان بالكشف عن تفاصيل الواقعة والقبض على المتهم خلال ساعات قليلة"..
لم يعد هذا السؤال نابعًا من الفضول، وإنما من واقع صنعته وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة.. واقع جعل المصريين على يقين بأن ما يُنشر على السوشيال ميديا لا يمر مرور الكرام، وأن هناك عيونًا تتابع، وأجهزة ترصد، ورجالًا يعملون ليلا نهارًا حتى يصلوا إلى الحقيقة، ويضعوا المتهم أمام العدالة.
الأمر تطور إلى أن المواطن نفسه أصبح شريكًا في حفظ الأمن ، يصور الواقعة، وينشرها، ويثق أن هناك من سيتحرك.. وهذه في حد ذاتها نقلة كبيرة في العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن، لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل سنوات ، ولذلك استطيع القول بأن الشرطة المصرية هي افضل جهاز أمني على مستوى العالم.
وهذا يدفعنا لتوجيه التحية إلى السيد اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، الذي يقود واحدة من أصعب الوزارات في الدولة.
لقد تحولت الصفحة الرسمية للوزارة إلى منصة تحظى بمتابعة واسعة، وأصبحت بالنسبة للمواطنين المصدر الأول لمعرفة الحقيقة، والرد على الشائعات، ومتابعة نتائج التحركات الأمنية.
ولكن هنا أرى أن كل نجاح يخلق تحديًا جديدًا ، نجاح وزارة الداخلية في الاستجابة السريعة لبلاغات السوشيال ميديا، خلق واقعًا منفردا لم يكن موجودًا قبل عشر سنوات ، وهذا أمر صحي يصل لحد الانجاز الضخم غير المسبوق ، لكن في الوقت نفسه يخلق تحديا كبيرا يفرض نفسه:
من يتحمل كل هذا العبء؟ ، ضابط المباحث الموجود في القسم لديه دائرة كاملة يتحمل مسؤوليتها ، أمامه سرقات، ومخدرات، ومشاجرات، وتنفيذ أحكام، وتحريات، وبلاغات يومية لا تنتهي، ثم يُضاف إلى ذلك سيل لا يتوقف من مقاطع السوشيال ميديا، التي تحتاج إلى فحص، وتحديد مكانها، والتأكد من توقيتها، والوصول إلى أطرافها، واتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها.
لا أحد يتحدث عن هذا الحمل الهائل الذي يتحمله رجال المباحث ، ولا أحد يتخيل أن دقيقة فيديو قد تحتاج ساعات من العمل، ومراجعة كاميرات، وتحريات، وانتقالات، حتى تظهر الحقيقة كاملة.
ومن هنا رسالتي إلى السيد وزير الداخلية : هل يمكننا دراسة إنشاء جهاز أو إدارة متخصصة، أو إذا شئنا الدقة "شرطة السوشيال ميديا"، تكون مهمتها الوحيدة متابعة البلاغات الإلكترونية، ورصد المحتوى المتداول، واستقبال ما يرسله المواطنون، وفحصه، وتحليله، ثم تحويل كل واقعة إلى الجهة المختصة بعد استيفاء المعلومات الأولية.
الفكرة هنا تهدف إلى تخفيف العبء على ضباط المباحث في الأقسام، حتى يتفرغون أكثر لمهامهم اليومية داخل دائرتهم عبر البلاغات التي تأتيهم، بينما تتولى هذه الوحدات المتخصصة التعامل مع العالم الرقمي، الذي أصبح لا يقل خطورة عن الشارع نفسه.
إنني أرى أن المستقبل يفرض إنشاء غرفة عمليات إلكترونية تعمل على مدار الساعة، تعتمد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصنيف البلاغات، واكتشاف البلاغات المكررة، وتحديد الوقائع الأكثر خطورة، وربطها فورًا بالقطاع المختص، بما يوفر الوقت والجهد، ويرفع كفاءة الاستجابة.
كما أن المرحلة المقبلة، في تقديري، تستوجب الاستمرار في دعم الوزارة بالكوادر البشرية المؤهلة، والتوسع في قبول عدد أكبر من المتقدمين لأكاديمية الشرطة ، ضباط يمتلكون خبرات تقنية ورقمية، إلى جانب خبراتهم الأمنية، لأن الجريمة نفسها تغيرت، وأصبحت تبدأ أحيانًا من شاشة هاتف قبل أن تصل إلى الشارع.
لقد صنعت وزارة الداخلية نموذجًا يستحق الاحترام في سرعة التفاعل مع الرأي العام، حتى أصبح المواطن ينتظر بيان الوزارة بثقة كبيرة، ويعتبره الفيصل بين الحقيقة والشائعة.
المحافظة على هذا النجاح لا تكون فقط بالاستمرار فيه، ولكن بتخفيف الضغط عن رجال الشرطة الذين يعملون في صمت، ويتحملون أعباءً تتزايد كل يوم.
السوشيال ميديا لن تتراجع بل ستزداد تأثيرًا ، والبلاغات الإلكترونية لن تقل ، بل ستتضاعف ، وهنا يجب زيادة أعداد الضباط من خلال قبول أعداد إضافية باكاديمية الشرطة.
تحية لكل رجل مباحث قادرًا على أداء رسالته بكامل كفاءته، وتظل وزارة الداخلية قادرة على الاستجابة السريعة التي صنعت بها جسورًا واسعة من الثقة مع المواطنين.
كل التحية لرجال الشرطة الذين يقفون في الصفوف الأولى دفاعًا عن أمن الوطن ، والتحية مجددا للسيد وزير الداخلية محمود توفيق العقل الذي يفكر في التطوير دوما ، قبل أن تفرضه الظروف.. فهذه هي الإدارة الناجحة ، وتلك هي الدولة التي تستعد للغد قبل أن يأتي.