عاجل

مصرفي : شركات التمويل تحولت من "منقذ للمواطن" إلى أداة لزيادة الضغوط المعيشية

الدكتور عز الدين
الدكتور عز الدين حسنين الخبير الاقتصادي والمصرفي

قال الدكتور عز الدين حسنين، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إن شركات التمويل الاستهلاكي تقوم في الأساس بالدور الذي كانت تقوم به البنوك في منح قروض الأفراد، أو ما يعرف بقروض التجزئة المصرفية (Retail)، والتي تشمل القروض الشخصية الموجهة لشراء السيارات أو الهواتف المحمولة أو الاحتياجات الاستهلاكية المختلفة.

إجراءات مصرفية كاملة

وأوضح حسنين في تصريحاته لـ"نيوز رووم" أن البنوك تعزف عن تمويل القروض الصغيرة، مثل تمويل شراء هاتف محمول بقيمة 50 أو 100 ألف جنيه، أو الحصول على 30 ألف جنيه لسداد مصروفات دراسية، لأن منح هذا النوع من التمويل يتطلب إجراءات مصرفية كاملة تشمل دراسة ائتمانية، وموظفي ائتمان، ولجان مخاطر، ولجان متابعة، وعددًا من القطاعات داخل البنك، وهو ما يجعل تكلفة دراسة القرض مرتفعة مقارنة بقيمته.

وأضاف أن هذا الأمر دفع إلى التفكير في إنشاء شركات متخصصة في التمويل الصغير وتمويل الأفراد، مشيرًا إلى أن البنوك ساهمت في رؤوس أموال عدد من هذه الشركات، كما قامت بعض البنوك بإنشاء شركات تابعة لها، إلى جانب تمويلها لتلك الشركات حتى تعيد إقراض الأموال للأفراد.

تعتمد على القروض أكثر من رؤوس أموالها

وأشار حسنين إلى أن رأس مال شركات التمويل الاستهلاكي يمثل في بعض الأحيان ما بين 10 و15% فقط من إجمالي مصادر تمويلها، بينما تعتمد النسبة الأكبر، التي تصل إلى نحو 85%، على القروض، إلى جانب عمليات التوريق وإصدار السندات.

وأوضح أن هذه الشركات مبنية في الأساس على الاقتراض، ثم إعادة إقراض هذه الأموال للأفراد، لافتًا إلى أنها تحقق هوامش أرباح مرتفعة تصل إلى 40 و45 و50% خلال مدة القرض.

وأضاف أن فترة التمويل في القروض الدراسية غالبًا لا تتجاوز عامًا واحدًا، بينما تمتد في بعض القروض الأخرى إلى عامين أو ثلاثة أعوام.

بعض المقترضين لا يستخدمونه في الغرض المعلن

وأكد  أن شركات التمويل الاستهلاكي ساعدت بصورة كبيرة الأفراد في الحصول على التمويل اللازم لتلبية احتياجاتهم في أوقات معينة، لكنه أوضح أن نسبة تتراوح بين 60 و70% من العملاء لا يستخدمون القرض في الغرض الذي يتقدمون بطلب التمويل من أجله.

وأشار إلى أن بعض العملاء يتقدمون للحصول على تمويل لشراء أجهزة منزلية مثل الثلاجات أو الغسالات، بينما يحصلون في النهاية على التمويل نقدًا ويتصرفون فيه بالطريقة التي يرونها مناسبة.

وأضاف أن الشركات كانت تساعد على ذلك، لأن الهدف الأساسي كان زيادة حجم التمويلات الممنوحة، في ظل وجود مستهدفات بيعية (Target) لموظفي الفروع المنتشرة بالمحافظات.

48 شركة متخصصة 

وأوضح أن عدد الشركات المتخصصة في نشاط التمويل الاستهلاكي يبلغ نحو 48 شركة من إجمالي ما يقرب من 2500 شركة تعمل في قطاع التمويل، مشيرًا إلى أنه إذا كانت كل شركة تمتلك فروعًا في نحو 10 محافظات فقط، فإن ذلك يعني وجود ما يقرب من 480 فرعًا.

وأضاف أن عدد البنوك العاملة في مصر يبلغ 36 بنكًا، بينما يصل عدد شركات التمويل الاستهلاكي إلى 48 شركة، معتبرًا أن اتساع نشاط هذه الشركات خلق إشكالية كبيرة تتمثل في تخلي البنوك عن جزء من وظائفها داخل السوق لصالح تلك الشركات.

وأوضح أن هذه الوظائف تشمل تمويل الأفراد، والتحويلات المالية، وإصدار بطاقات الائتمان، مثل خدمات "فاليو"، بالإضافة إلى تمويل الإسكان والسيارات وغيرها من المنتجات التي كانت تعد في الأساس منتجات مصرفية تقدمها البنوك.

الشركات تتحمل المخاطر

وقال حسنين إن البنوك أصبحت تقرض شركات التمويل، بينما تتحمل هذه الشركات مخاطر منح التمويلات، وأعباء التحصيل، ودراسة العملاء، في حين تحصل البنوك على الفوائد والعمولات الناتجة عن القروض التي تمنحها لتلك الشركات.

وأضاف أن شركات التمويل تحصل على الأموال من البنوك بفائدة تقارب 20%، ثم تعيد إقراضها للأفراد بفائدة تصل إلى نحو 40%، معتبرًا أنها تعتمد في نشاطها على أموال البنوك أكثر من اعتمادها على رؤوس أموالها.

التمويل متاح لكن التجاوزات تتزايد

وأوضح أن البنوك لم تكتفِ بالمساهمة في رؤوس أموال شركات التمويل الاستهلاكي، بل قامت أيضًا بشراء السندات التي تصدرها تلك الشركات، والمشاركة في عمليات التوريق الخاصة بها داخل البورصة، إلى جانب منحها قروضًا مباشرة، مؤكدًا أن البنوك لعبت دورًا رئيسيًا في دعم انتشار هذه الشركات وتوسعها.

وأشار إلى أن لهذه الشركات مزايا وعيوبًا، موضحًا أن الميزة الأساسية تتمثل في إتاحة التمويل للمواطن الذي لا يستطيع الحصول على قرض من البنوك، واصفًا ذلك بأنه الميزة الوحيدة تقريبًا.

وفي المقابل، قال إن العيوب عديدة، أولها أن بعض الشركات لا تلتزم بقواعد الائتمان، ولا تطبق قواعد التحصيل السليمة، مشيرًا إلى أن بعض عمليات التحصيل تتم من خلال شركات خارجية أو مكاتب محاماة.

وأضاف أن من بين الممارسات التي انتقدها توقيع العملاء على شيكات وإيصالات أمانة، موضحًا أنه في حال توقف العميل عن السداد بعد أربع أو خمس دفعات أو أقساط، يتم اتخاذ إجراءات قانونية ضده ورفع جنح مباشرة قد يترتب عليها صدور أحكام جنائية.

وأشار إلى أن عدد عملاء هذه القروض يقترب من 12 مليون عميل، مضيفًا أن نسبة كبيرة منهم تواجه مشكلات بسبب التعثر في السداد.

سياسات البنك المركزي

وقال حسنين إن من العيوب أيضًا أن شركات التمويل الاستهلاكي قد تعمل في بعض الأوقات بصورة تتعارض مع سياسات البنك المركزي، موضحًا أن البنك المركزي عندما يستهدف سحب السيولة من الأسواق للحد من التضخم، تستمر هذه الشركات في ضخ السيولة من خلال منح القروض للأفراد.

وأضاف أن البنوك تمنح هذه الشركات التمويل، بينما تسعى الشركات إلى إعادة ضخ الأموال في السوق لتحقيق المستهدفات البيعية الخاصة بها، وهو ما اعتبره مساهمة في زيادة السيولة وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية.

رفع مستوى المخاطر

وأوضح الخبير الاقتصادي أن من بين المشكلات أيضًا ارتفاع معدلات الرفع المالي داخل هذه الشركات، حيث تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض مقارنة برؤوس أموالها.

وأضاف أن أي زيادة في معدلات التعثر قد تؤدي إلى تعرض الشركات لأزمات مالية، وهو ما قد ينعكس على البنوك التي قامت بتمويلها، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى انتقال التأثيرات داخل القطاع المالي.

وأشار إلى أن هشام عز العرب سبق أن حذر من المخاطر المحتملة لهذا القطاع، لافتًا إلى أن هذه التحذيرات كانت بداية تسليط الضوء على طبيعة عمل شركات التمويل الاستهلاكي.

آثار سلبية

وقال حسنين إن شركات التمويل الاستهلاكي كانت تؤدي في البداية دورًا إيجابيًا يتمثل في توفير التمويل للمواطنين، إلا أنه يرى أن هذا الدور تحول مع الوقت إلى آثار سلبية على المجتمع.

وأضاف أن هذه الشركات "بحسب رؤيته"  لم تعد تضيف قيمة حقيقية للقطاع المالي غير المصرفي بقدر ما تسهم في زيادة الضغوط التضخمية، إلى جانب تحقيق أرباح كبيرة، معتبرًا أن الهدف الذي أنشئت من أجله تحول مع الوقت إلى نتائج وصفها بأنها تضر بالمجتمع.

التمويل الاستهلاكي وتمويل المشروعات الصغيرة

وردًا على ما أثير بشأن منح قروض لمشروعات غير قائمة فعليًا، أوضح حسنين أن هذه الحالات تتعلق بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وليس بالتمويل الاستهلاكي المخصص للأفراد.

وأشار إلى أن تمويل المزارع والورش والمحال التجارية يتم من خلال جمعيات تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبعض الشركات المتخصصة، لافتًا إلى أن هذا النشاط يشهد أيضًا مشكلات وتجاوزات.

وأضاف أنه على دراية بوجود مثل هذه الممارسات، موضحًا أنها ليست قاصرة على شركات التمويل، مشيرًا إلى أن البنك الزراعي شهد في فترات سابقة ممارسات مشابهة، تمثلت في استخدام المشروع نفسه للحصول على أكثر من قرض من خلال أشخاص مختلفين، قبل أن يتم تشديد الضوابط والرقابة للحد من هذه الحالات.

تم نسخ الرابط