أهداف مؤجلة ورسالة مشفرة.. ماذا أرادت واشنطن من ضرباتها الأخيرة بمضيق هرمز؟
لم تكن الضربات الأمريكية الأخيرة في محيط مضيق هرمز مجرد رد عسكري على هجمات طالت سفنا وناقلات تجارية، بل حملت في جوهرها رسالة سياسية مباشرة إلى طهران، وهي أن بنك الأهداف الأمريكي لم يُستنفد بعد، وأن ما جرى لم يكن سوى جولة محسوبة من الضغط، فيما تبقى أهداف أكثر حساسية على الطاولة إذا قررت إيران مواصلة اللعب بورقة الملاحة الدولية.
وبحسب مصادر دبلوماسية في تصريحات صحفية، فإن طبيعة الأهداف التي استهدفتها واشنطن، وتلك التي تعمّدت استثنائها في هذه المرحلة، لم تكن عشوائية، بل صيغت بعناية لتبليغ النظام الإيراني بأن استهداف أذرع الحرس الثوري البحرية لا يعني استنفاد أوراق الضغط الأمريكية، بل يمثل إنذاراً أولياً ضمن معادلة تصعيد مدروسة.
وأكدت المصادر أن الإدارة الأمريكية تعمدت بناء كلفة سياسية وعسكرية تصاعدية لكل مرحلة من المواجهة، واضعة طهران أمام معادلة واضحة: أي محاولة جديدة لابتزاز الملاحة في مضيق هرمز قد تدفع الأهداف المؤجلة إلى دائرة التنفيذ المباشر، وتحرم إيران من إدارة الصراع وفق التوقيت الذي تريده.
بنك أهداف يتسع.. لكن بشروط
موجة الضربات الأمريكية المتجددة، التي نُفذت فجر الخميس، دفعت بنك الأهداف إلى مستوى أكثر اتساعا داخل خريطة مضيق هرمز، بعدما ربطت واشنطن استئناف عملياتها بهجمات استهدفت سفنا وناقلات تجارية في الممر البحري الاستراتيجي، ومع ذلك، فإن الضربات بقيت محصورة ضمن نطاق عسكري-بحري محدد، فيما ظلت منشآت حيوية في الاقتصاد الإيراني خارج التنفيذ، ضمن حسابات أمريكية أوسع لم تُفتح بعد.
وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد أعلنت في البداية استهداف أكثر من 80 هدفا داخل إيران، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن موجة أوسع طالت نحو 90 موقعا، ما جعل الخريطة العملياتية تمتد من الرادارات الساحلية ومواقع القيادة والسيطرة إلى منصات الصواريخ المضادة للسفن، ووحدات الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري.
وقال مصدر أمريكي قريب من دوائر التخطيط العملياتي في البنتاجون نفي تصريحات صحفية إن الخريطة العسكرية التي سبقت الضربات صنفت الأهداف الإيرانية وفق صلتها المباشرة بتهديد الملاحة، وفي المستوى الأول، وُضعت الرادارات الساحلية المنتشرة قرب بندر عباس وقشم وسيريك، باعتبارها العين التي تراقب السفن وتوجه عمليات الاستهداف.
أما المستوى الثاني فشمل مواقع الصواريخ المضادة للسفن ومخازن الطائرات المسيّرة في نطاق بندر جاسك وسواحل مكران ومحيط بندر عباس، بينما ضم المستوى الثالث وحدات الزوارق السريعة وغرف التوجيه الميداني التابعة للحرس الثوري في قشم وبندر عباس ومرافئ الإسناد الصغيرة على ساحل هرمزغان.
من رد محدود إلى استهداف شبكة تشغيل كاملة
ويكشف نمط الضربات الأخيرة، مقارنة بالجولات الأمريكية السابقة، عن تحوّل واضح في طبيعة المقاربة العسكرية، فبحسب المحلل العسكري الأمريكي براندون ويشيرت، كانت الضربات التي سبقت السابع من يوليو أقرب إلى ردود محدودة على مواقع إطلاق أو تخزين أو رصد استخدمت في هجمات بعينها، بينما تعاملت الموجة الأخيرة مع تهديد هرمز باعتباره شبكة تشغيل واحدة متكاملة.
ويشير ويشيرت إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الرادارات الساحلية والزوارق السريعة ومنصات الصواريخ والطائرات المسيرة كعناصر منفصلة، بل كأجزاء من منظومة هجومية واحدة يديرها الحرس الثوري قرب خطوط الملاحة، ومن هنا، جاءت الضربات الأخيرة لتفكيك حلقات متعددة من هذه الشبكة، بدلا من الاكتفاء بضرب موقع أو اثنين كرد فعل مباشر.
وفي البيان الأمريكي الذي سبق الموجة الأحدث، قدّمت القيادة المركزية الضربات على أنها رد مباشر على هجمات إيرانية ضد سفن تجارية عابرة لمضيق هرمز، وهو توصيف يرى ويشيرت أنه ساعد واشنطن على ضبط بنك الأهداف داخل إطار "حماية الملاحة"، بحيث تُضرب الذراع البحرية للحرس الثوري، فيما تُترك منشآت الطاقة والتصدير لقرار سياسي لاحق.
الأهداف المؤجلة.. الاقتصاد الإيراني في دائرة الانتظار
وبحسب المصدر الأمريكي، فإن بنك الأهداف الاقتصادي والخدمي لا يزال منفصلا عن الضربات الجارية، ويضم منشآت طاقة وتصدير حساسة تمثل أعصاباً رئيسية للاقتصاد الإيراني.
ومن بين هذه المواقع جزيرة خرج التي تمر عبرها الكتلة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، ومجمع عسلوية للغاز والبتروكيميائيات في بوشهر، ومصفاة آبادان في خوزستان، ومصفاة بندر عباس، وميناء الخميني قرب بندر ماهشهر، إضافة إلى محطات كهرباء رئيسية قرب أصفهان والأهواز وبندر عباس.
لكن هذه الأهداف، رغم حساسيتها، لم تدخل مرحلة التنفيذ خلال الضربات الأخيرة، بعدما حُصرت أوامر الاستهداف في العقد المرتبطة مباشرة بمراقبة السفن، وتوجيه الزوارق، وإسناد الصواريخ والطائرات المسيّرة حول مضيق هرمز.
ولا تتوقف القائمة المؤجلة عند قطاع الطاقة فقط، إذ تشمل أيضا بنى النقل والإمداد التي تربط الساحل الإيراني بالداخل، مثل عقد الطرق والسكك الحديدية المحيطة بندر عباس، ومحاور الحركة في خوزستان بين الأهواز وخرمشهر وميناء الخميني، وخطوط الإمداد القريبة من بوشهر وعسلوية، إلى جانب مرافق خط غوره جاسك ومحطة جاسك النفطية التي أنشأتها طهران لتقليل اعتمادها على مسار هرمز.
كما تضم المراجعات الأمريكية غير المفتوحة بعدُ منشآت اتصالات ومراكز تشغيل خدمية في هرمزغان وخوزستان، غير أن هذه الأهداف بقيت خارج دائرة النار حتى الآن، في ظل تركيز واشنطن على تفكيك البنية البحرية للحرس الثوري، من الرصد الساحلي إلى الزوارق ومنصات الإطلاق.
رسالة واشنطن: ما لم يُضرب أهم مما ضُرب
وفقا للتقارير، لا تبدو الضربات الأمريكية الأخيرة مجرد جولة عسكرية محدودة، بل جزءا من هندسة ردع متعددة الطبقات، فالرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها لا تتعلق فقط بمعاقبة إيران على تهديد الملاحة، بل أيضا بتذكيرها بأن ما استهدف حتى الآن ليس سوى الشريحة الأولى من بنك أهداف أكبر بكثير، وأن منشآت الطاقة والتصدير والبنى اللوجستية لا تزال مؤجلة، لا مستبعدة.



