عاجل

اصطلح القوم منذ القرون الأولى على إطلاق اسم "التصوف" على ما يعتري السالكين من أحوال ومواجيد، وما يقطعونه من مقامات في طريق التزكية والمعرفة.
ثم تطور المصطلح عبر التاريخ حتى أصبح عنواناً لمدرسة روحية كبرى داخل الحضارة الإسلامية، قبل أن ينتقل في العصر الحديث إلى فضاء الدراسات الأكاديمية، حيث جرى تفكيكه وتصنيفه إلى أنواع واتجاهات متعددة: تصوف سني، وتصوف فلسفي، وتصوف أخلاقي، وتصوف شعبي، بل وتصوف يوصف عند البعض بالبدعي أو الإصلاحي، وفقاً لزاوية النظر ومنهج التقييم.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التصنيف الأكاديمي، بل دخل التصوف خلال العقود الأخيرة إلى ساحات التجاذب الفكري والاجتماعي والسياسي. فبعد أحداث يناير وما أعقبها من صعود وهبوط للتيارات الدينية المختلفة، برزت محاولات لتقديم الصوفية بوصفها البديل الأكثر اعتدالاً في مواجهة الخطابات المتشددة.
ومن هنا نشأت ثنائية جديدة بين ما سُمِّي بالتصوف العلمي أو "النخبوي" وبين التصوف الشعبي المتمثل في الموالد والخدمات والساحات ومظاهر التدين الجماهيري المرتبطة بالطرق الصوفية.
وعند هذه النقطة تحديداً أصبح المشهد أكثر التباساً، فالسؤال لم يعد: كيف نسلك إلى الله؟ بل: أي تصوف يجب أن نسلكه؟ وأصبح الداخل إلى طريق القوم يجد نفسه أمام كم هائل من التصنيفات والاصطفافات والخلافات، حتى يكاد يظن أن التصوف مجموعة مدارس متصارعة لا يجمعها جامع.
لكن لعل المشكلة الحقيقية تكمن في أننا نتعامل مع التصوف بوصفه فكرة أو مؤسسة أو ظاهرة اجتماعية، بينما جوهره في الأصل تجربة روحية.
فالتصوف قبل أن يكون خطاباً أو تنظيماً أو تراثاً هو فعل تحول داخلي يعيشه الإنسان في علاقته بالله، وسعي دائم للانتقال من ظاهر المعرفة إلى ذوقها، ومن العلم بالشيء إلى التحقق به.
فالشيخ المربي والطريقة والورد وآداب السلوك، كلها عناصر ضرورية في بناء الطريق وضبطه، لكنها ليست التصوف نفسه، وإنما هي الإطار الذي يحتضن التجربة ويحفظها من الانفلات.
أما التصوف في حقيقته فيبدأ من تلك المنطقة التي لا يراها أحد، حيث يجاهد الإنسان نفسه، ويواجه أوهامه، ويكتشف عيوبه، ويتدرج في معارج المعرفة والمحبة واليقين.
ومن هنا يصعب الحديث عن نسخة واحدة من التجربة الصوفية.
فالشيخ لا يكرر نفسه في مريديه، كما أن المريد لا يُطلب منه أن يستنسخ أحوال شيخه أو مواجيده، إذ لو كان الأمر كذلك لتحول التصوف إلى عملية استنساخ روحي لا إلى تربية روحية.
وما دامت النفوس مختلفة في طبائعها واستعداداتها ومواهبها، فإن تجليات الهداية فيها ستختلف بالضرورة، وإن اشتركت جميعها في أصل الشريعة وآداب الطريق.
إن بعض الإشكالات التي تعانيها الساحة الصوفية اليوم تنشأ من محاولة تحويل التجارب الفردية إلى نماذج ملزمة للجميع، أو من السعي إلى احتكار تعريف التصوف في صورة واحدة دون غيرها.
والحال أن تاريخ التصوف نفسه شاهد على تعدد المشارب وتنوع الأساليب واختلاف طرائق التعبير عن الحقيقة الواحدة.
فالتصوف ليس المولد وحده، وليس الدراسة الأكاديمية وحدها، وليس الأوراد وحدها، وليس المصطلحات العرفانية وحدها.
هذه كلها مظاهر وتجليات وصور مختلفة لحضور الظاهرة الصوفية في المجتمع والثقافة والتاريخ، أما جوهر التصوف فيبقى أعمق من ذلك كله؛ إنه ذلك السعي الدائم إلى تهذيب النفس وتحرير القلب من علائقه، حتى يصبح الإنسان أكثر صدقاً مع الله وأكثر رحمة بخلقه.
ولذلك فإن السؤال: "أي تصوف نريد؟" قد لا يكون هو السؤال الأدق، فالأجدر أن نسأل: أي إنسان نريد أن يصنعه التصوف؟
فإذا كان التصوف ينتج إنساناً أكثر تواضعاً وأصدق مع نفسه وأرحم بالناس وأشد التزاماً بقيم الشريعة وأخلاقها، فإنه يكون قد حقق غايته مهما اختلفت الأشكال والوسائل.
أما إذا تحول إلى مجرد صراع حول الأسماء والتصنيفات واحتكار الشرعية الروحية، فإنه يفقد أهم ما يميزه: كونه تجربة حية ومتجددة لا يمكن اختزالها في تعريف واحد، ولا حبسها داخل قالب واحد، لأن فضل الله أوسع من أن يُختصر في تجربة شخص، وتجليات الحق أرحب من أن تُحصر في صورة واحدة من صور السلوك.

تم نسخ الرابط