«تمنيتُ أن أموت مكانه».. بماذا يهتف المشيعون في جنازة خامنئي؟
بين هتافات "لبيك يا خامنئي" ودموع المشيعين أمام التوابيت الملفوفة بالأعلام الإيرانية، تعيش العاصمة طهران منذ الخميس الماضي واحدة من أكثر لحظاتها رمزية منذ عقود.
مقتل المرشد الأعلى السابق لم يعد في نظر أنصاره مجرد حدث سياسي أو أمني، بل تحول إلى محطة تعبئة وطنية ودينية كبرى، امتزج فيها الحزن بالغضب، والولاء بالعقيدة.
من مصلى الإمام الخميني إلى الشوارع الكبرى في العاصمة، تدفقت الحشود المليونية، بينما شكلت الأغاني الوطنية والخطب الدينية خلفية مشهد يراه مؤيدوه "وداعًا تاريخيًا لقائد أسطوري"، ويقرأه مراقبون كاكتشاف جديد لقدرة النظام على تحويل الفقدان إلى طاقة تعبئة شعبية.

أسبوع الوداع الأخير
"سأقف قويا من أجل هذا العلم حتى آخر لحظة من حياتي.. أؤمن بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوف ألتحق بجيش الحق... من أجل وحدة الشعب والدولة. يا إيران، يا إيران... ذو الفقار"، بهذه الكلمات الحماسية من أغنية شعبية للمغني الإيراني محمد أميني، تضج مكبرات الصوت على مدار الساعة في معظم شوارع طهران.
الأغنية التي تمزج بين البعدين الديني والوطني تأتي كجزء من مراسم وداع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، والتي تمتد من الخميس الماضي وحتى الخميس المقبل، حيث من المقرر أن يُوارى جثمانه الثرى في مدينة مشهد (شمال شرق البلاد)، مسقط رأسه، بجوار مرقد الإمام الرضا.
تدفق مئات الآلاف من الإيرانيين من مختلف المحافظات، إلى جانب وفود جاءت من العراق المجاور لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة، وفي إحدى الخيام المنصوبة على الطريق المؤدي إلى مصلى الإمام الخميني، التقت فرانس 24 بالسيدة خديجة ديداري (48 عامًا) التي كانت توزع صورًا للمرشد الراحل.

"كنا نعيش حالة حرب"
تصف السيدة خديجة الأجواء وعيناها تملؤهما الدموع: "من الصعب جدًا الحديث عن هذا الفقد. نحن ننتظر يوم المواساة هذا منذ أربعة أشهر، إذ كنا نعيش في حالة حرب ولم يكن لدينا الوقت لتنظيم مراسم العزاء".
وتستذكر ديداري لحظة تلقي النبأ قائلة: "في اليوم الذي قصفوا فيه مقر القائد، بكينا كثيرًا وتوجهنا بسرعة إلى مكان إقامته ثم تجمعنا في ساحة الحرية (آزادي). كانت حالة من الحزن الرهيب تخيم على إيران. لكننا رفعنا أيدينا إلى السماء ووعدناه بأن نستمر على نهجه وجددنا له البيعة. لم تكن تلك اللحظة الصعبة مناسبة لإظهار الضعف أمام العدو، بل قسّمنا الأدوار بيننا لكي نثبت له أن حساباته كانت خاطئة".
وفي نظر خديجة، فإن خامنئي يمثل "أسطورة لا مثيل لها في العالم"، معتبرة أن مقتله أحدث "ثورة جديدة" أعادت حتى المعارضين إلى "طريق الصواب"، مؤكدة دون تردد: "لو كان بإمكاني التضحية بحياتي وحياة أولادي وعائلتي فداءً له، لما ترددت للحظة".

طهران تتحول إلى سرادق عزاء مفتوح
مراسم الوداع التي انطلقت مساء الخميس شهدت سيطرة أنصار النظام على الساحات ومفترقات الطرق الرئيسية عبر تنظيم "مواكب" عزاء ضخمة.
ويعكس التجول في شوارع العاصمة حجم الاستعدادات، ففي شارع بهشتي الكبير، نصبت بلدية طهران بالتعاون مع جمعيات أهلية مئات الخيام لتقديم المياه والطعام مجانًا للمعزين وتسهيل حركتهم نحو المصلى.

ورغم درجات الحرارة المرتفعة، غصت ساحات مصلى الإمام الخميني بالعائلات والأطفال. وقُسمت الباحة الخارجية إلى منطقتين يفصل بينهما جدار تنظيمي بطول 200 متر وارتفاع 4 أمتار، سرعان ما حوله المشيعون إلى سبورة ضخمة لتدوين مشاعرهم وشعاراتهم السياسية.
أبرز الشعارات المدونة على جدار المصلى:
- شعارات عقائدية: "لبيك يا خميني... لبيك يا حسين"، "خامنئي هو تاريخ العالم الحي"، "يا صاحب الزمان كنا نحب نائبك في الأرض".
- شعارات سياسية: "اللعنة على المطبع"، "القنبلة النووية هي حقنا البديهي والمسلّم به"، "لا مساومة ولا استسلام.. مطلبنا هو الانتقام لدم المرشد".
التوابيت الثلاثة وخطاب الثأر
على منصة مرتفعة تحت قبة المصلى، وُضعت ثلاثة توابيت ملفوفة بالعلم الإيراني ليتسنى للحشود رؤيتها من مسافات بعيدة، واستمر توافد الوفود الشعبية بشكل متواصل من الساعات الأولى ليوم السبت حتى صباح الإثنين.
ووسط أجواء اللطم والنحيب، ردد المشيعون هتافات موالية لعلي خامنئي ولابنه مجتبى خامنئي، في حين ركزت خطب الأئمة ورجال الدين على استعراض محطات من حياة المرشد الراحل، واصفين إياه بـ"الرجل النبيل الذي ضحى بحياته وقُتل في مقر عمله برفقة ابنته، على عكس قادة آخرين يختبئون في الملاجئ"، مشددين على حتمية "الأخذ بالثأر".

رحلة الـ 450 كيلومترا من أجل نظرة وداع
من بين المشيعين، التقت فرانس 24 بالشاب سعيد صادقيان مرناني (36 عامًا)، الذي قطع مسافة 450 كيلومترًا بسيارته ليلًا قادمًا من مدينة أصفهان رفقة صديقين له.
قال سعيد: "محبتي لقائدنا العزيز هي التي أتت بنا إلى هنا. لم يحالفني الحظ أن أراه عن قرب في السابق، لكنني اليوم شعرت بحزن شديد عندما اقتربت من الجثمان. لقد كان قائدًا عظيمًا للأمة والشعلة التي تنير الدرب، وكان مظلومًا من منتقديه لأنه صوت الحق في إيران ولبنان واليمن وسوريا وفلسطين".
وعند سؤاله عن الاحتجاجات السابقة، نفى سعيد أن يكون المرشد الراحل قد أصدر أوامر بإطلاق النار على المحتجين، معتبرًا أن "المسؤولية لا تقع عليه بل كان يتعامل معهم بلطف".
كما أعلن صادقيان ولاءه الكامل للمرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، قائلًا: "سيرفع التحديات كما فعل والده، فهو رجل متمكن ولم يصل إلى منصبه لكونه ابن الرئيس السابق بل بطريقة شرعية وقانونية".

رسائل دولية واتهامات للإعلام الغربي
وفي سياق متصل، قال ناصر شهرماد (27 عامًا)، وهو عامل في شركة إيرانية لصناعة السيارات: "أتمنى أن يقف الفرنسيون مع الحق. هل رأيتم المجازر الأمريكية في مدرسة 'شجرة طيبة' بمدينة ميناب الساحلية؟ لقد قتلت عشرات الأطفال و18 معلمة. أمريكا قتلت الأطفال وألقت قنبلتين نوويتين على اليابان، والعالم يشهد على ذلك، في حين لم ترتكب إيران أي مجزرة".
واتهم شهرماد وسائل الإعلام الدولية بـ"تضليل" الرأي العام لكونها "تخضع لسيطرة إسرائيل والولايات المتحدة".
شلل تام في العاصمة وجولة الجثمان الأخيرة
بالتزامن مع هذه المراسم، توقفت الأنشطة التجارية والتعليمية تمامًا في طهران، حيث أُغلقت المدارس، الجامعات، المؤسسات الحكومية، والأسواق الكبرى بما فيها "بازار طهران الكبير"، وتحولت المدينة بالكامل إلى ساحة عزاء مفتوحة.
ومن المقرر أن يجوب نعش المرشد الأعلى الراحل الشوارع الرئيسية للعاصمة اليوم الإثنين، في مسيرة تبدأ من شارع الإمام الحسين وتمر بساحة الثورة وصولًا إلى ساحة "آزادي" (الحرية)، وسط توقعات بمشاركة ملايين المواطنين.



