حماس تحل لجنة إدارة غزة.. هل تبدأ مرحلة الحكم بالتكنوقراط؟
كشفت مصادر مطلعة داخل حركة حماس عن توجه قيادة الحركة للإعلان خلال وقت قريب عن حل "لجنة إدارة غزة"، في خطوة تمهد لنقل الصلاحيات الإدارية إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" المعروفة إعلاميا بـ"لجنة التكنوقراط"، برئاسة علي شعث، ضمن ترتيبات جديدة لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
وقالت المصادر لصحيفة "الشرق الأوسط" إن الإعلان قد يصدر اليوم الاثنين، فيما اكتفى مصدر آخر بالتأكيد أن القرار بات قريبا دون تحديد موعد نهائي، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار إعادة هيكلة إدارة القطاع وفتح المجال أمام لجنة التكنوقراط لمباشرة مهامها داخل غزة.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تحركات سياسية وإقليمية متسارعة تهدف إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة ترتيب المشهد الإداري والسياسي في قطاع غزة.
القاهرة تستضيف جولة مفاوضات جديدة خلال 48 ساعة
بالتوازي مع ذلك، أكدت مصادر من حركة حماس وفصائل فلسطينية أن العاصمة المصرية القاهرة ستشهد خلال اليومين المقبلين جولة جديدة من المفاوضات، بهدف تضييق فجوة الخلافات المتعلقة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة.
وبحسب المصادر، فإن الاجتماعات ستضم ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية، في ظل جهود مصرية وقطرية وتركية مكثفة لدفع الاتفاق إلى مراحل أكثر استقرارا، وسط استمرار الخروقات الإسرائيلية التي أسفرت منذ إعلان الاتفاق متعدد المراحل في أكتوبر الماضي عن مقتل أكثر من ألف فلسطيني، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات حماس.
كما أشارت المصادر إلى احتمال مشاركة المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، بصفته ممثل غزة في "مجلس السلام"، إضافة إلى مسؤولين أمريكيين ضمن إطار قوات الاستقرار الدولية، إلا أن مشاركة ملادينوف لا تزال غير محسومة، وترتبط بمدى التقدم الذي ستحققه المفاوضات واستجابة الفصائل للمقترحات المطروحة.
خطة ترامب تواجه اختبارا صعبا على الأرض
رغم التحركات الأمريكية والإقليمية لإعادة تشكيل المشهد السياسي في غزة، تشير المعطيات الميدانية إلى أن حركة حماس ما زالت تحتفظ بنفوذها الأمني والإداري، وهو ما يضع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بإدارة مرحلة ما بعد الحرب أمام تحديات كبيرة.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، فإن الحركة لا تزال تفرض سيطرتها على المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية، بما يحد من فرص إقامة إدارة بديلة دون موافقتها.
وكانت القاهرة قد استضافت خلال الأيام الماضية سلسلة اجتماعات بين الفصائل الفلسطينية للتوافق على تشكيل لجنة تكنوقراطية لإدارة قطاع غزة، ضمن المبادرة التي يتبناها "مجلس السلام"، الذي أنشأته إدارة ترامب للإشراف على المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، عقد المجلس اجتماعاً مغلقاً في قبرص لبحث آليات تنفيذ الخطة، مؤكداً استمرار العمل على إعداد قيادة فلسطينية جديدة، رغم تعثر تطبيق المشروع عملياً داخل القطاع.
انتشار أمني واسع لحماس أحبط احتجاجات "26 يونيو"
ميدانياً، دفعت حركة حماس بعناصرها الأمنية إلى مختلف مناطق قطاع غزة لإحباط الدعوات التي أطلقها ناشطون لتنظيم احتجاجات سلمية تحت اسم "حركة 26 يونيو".
وقال منظمو الحراك إن عناصر الحركة انتشرت في التقاطعات والشوارع الرئيسية ونفذت إجراءات أمنية واسعة حالت دون انطلاق معظم المظاهرات.
وأوضح الصحفي الفلسطيني عبد الحميد عبد العاطي، أحد منظمي الاحتجاجات، أن المواطنين كانوا يخشون مواجهة عناصر حماس، فيما كانت الحركة بدورها تخشى اتساع نطاق الاحتجاجات، مؤكداً أن القطاع شهد انتشارا أمنيا غير مسبوق دون إعلان رسمي.
مطالب معيشية بعيدا عن إسقاط حماس
وأكد منظمو "حركة 26 يونيو" أن تحركهم لم يكن يستهدف إسقاط حركة حماس أو تغيير السلطة، وإنما ركز على المطالب الإنسانية والمعيشية.
وشملت المطالب وقف الضرائب المفروضة على المواطنين، وتأمين خروج الجرحى للعلاج خارج القطاع، وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان حرية التعبير، إضافة إلى توفير حياة كريمة لسكان غزة الذين يعانون أوضاعاً إنسانية صعبة نتيجة الحرب.
واتهم منظمو الاحتجاجات الحركة باستخدام وسائل متعددة لإفشال الحراك، من بينها التهديدات الهاتفية، وإنشاء حسابات إلكترونية وهمية، والاستعانة بشخصيات مقربة منها للضغط على المشاركين.
كما تحدث سكان عن تلقي تحذيرات بفقدان الخيام أو المساعدات الإنسانية في حال المشاركة في الاحتجاجات، فضلاً عن تعرض وجهاء عشائر لضغوط من أجل التنصل من الدعوات إلى التظاهر، في مشهد أعاد إلى الأذهان احتجاجات "نريد أن نعيش" التي شهدها القطاع عام 2019.
6 أشهر من دون تغيير في موازين القوى
وبعد مرور ستة أشهر على إنشاء "مجلس السلام"، لم تتمكن الإدارة التي تدعمها الولايات المتحدة من دخول قطاع غزة أو تقليص نفوذ حركة حماس.
ولا تزال الحركة تدير الوزارات والمؤسسات الحكومية، وتشرف على المحاكم والأجهزة الأمنية، وتواصل جباية الضرائب، في وقت ترى فيه أوساط سياسية أن الفجوة بين الخطط الدولية والواقع الميداني لا تزال كبيرة.
وتقوم الخطة الأمريكية على إنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع بدعم مالي من دول الخليج، بالتوازي مع تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار، تمهيداً لإبعاد حماس عن الحكم دون مواجهة عسكرية مباشرة.
كما ينص المشروع على تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة في مصر، مع استعداد عدد من الدول للمشاركة في قوة تحقيق الاستقرار، إلا أن هذه القوة لم تبدأ الانتشار حتى الآن.
خطة "المادة 17".. إعادة الإعمار تبدأ قبل نزع السلاح
ومع تعثر المفاوضات الخاصة بنزع سلاح حماس، اتجه واضعو الخطة إلى تفعيل ما يعرف بـ"المادة 17"، التي تسمح ببدء تنفيذ المشروع في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحركة.
وبحسب التصور المطروح، سيتم تخصيص نحو 17 مليار دولار لإعادة إعمار المناطق الواقعة شرق قطاع غزة والخاضعة حاليا للسيطرة الإسرائيلية، بعد إخضاع سكانها لإجراءات تحقق بيومترية، وربط عملية الإعمار بإنشاء إدارة مدنية جديدة.
كما تقترح الخطة انتقال السكان تدريجياً إلى المناطق التي ستخضع للإدارة الجديدة، بينما يبقى استكمال الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بالتوصل إلى اتفاق حول نزع سلاح حماس.
وأفادت هيئة البث الإسرائيلية "كان" بأن واشنطن قدمت وثيقة للحكومة الإسرائيلية تقترح بدء إعادة إعمار غزة قبل الانتهاء من ملف نزع السلاح، على أن تنتقل إدارة المناطق تدريجيا إلى هيئة حكومية جديدة بحلول نهاية عام 2026، مع تحويل الإيرادات الضريبية إليها، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تؤكدا رسميا وجود هذه الوثيقة.
حماس لا تزال اللاعب الأقوى في غزة
وترى المحللة السياسية الفلسطينية ريهام عودة أن الاحتجاجات الأخيرة أظهرت قدرة حماس على الحفاظ على سيطرة أمنية فعالة داخل قطاع غزة، إضافة إلى نجاحها في تعبئة مؤيديها لإطلاق حملات إعلامية ضد منظمي الاحتجاجات.
وأضافت أن اتهامات "الخيانة" دفعت أعدادا كبيرة من المواطنين إلى تجنب المشاركة في التظاهرات، خاصة في ظل ظروف الحرب والنزوح والخسائر البشرية.
واعتبرت أن أي نموذج للحكم الدولي لن ينجح ما لم يعتمد على وجود قوة دولية قادرة على فرض الأمن، إلى جانب إنشاء جهاز شرطة فلسطيني جديد بعيدا عن الفصائل المسلحة، مع توفير ضمانات قانونية لحماية حقوق السكان.
كما أشارت إلى أن حماس تراهن على استراتيجية طويلة الأمد للحفاظ على نفوذها السياسي والأمني، مستفيدة من حالة الإنهاك التي يعيشها سكان القطاع.
حسابات نتنياهو والسيناريو العسكري
من جانبه، قال مفاوض إسرائيلي سابق إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع اقتراب الانتخابات، لا يملك حافزا كبيرا لتقليص العمليات العسكرية في غزة، خاصة إذا امتنعت واشنطن عن اتخاذ خطوات إضافية ضد إيران أو لبنان، ما يجعل غزة والضفة الغربية الساحتين الأكثر ترجيحاً لأي تصعيد جديد.
وفي المقابل، حذرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من أن حركة حماس تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية استعداداً لجولة قتال جديدة، في مؤشر على أن الصراع لا يزال بعيداً عن نهايته.
أرقام الحرب
ووفق وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب منذ اندلاعها في 7 أكتوبر 2023 إلى 73,058 قتيلا و173,488 مصابا.
كما أعلنت الوزارة سقوط 1,045 قتيلا و3,380 مصابا منذ دخول الهدنة الأخيرة حيز التنفيذ، إضافة إلى انتشال 786 جثة خلال الفترة نفسها، في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لإعادة تثبيت وقف إطلاق النار، وسط استمرار التعقيدات السياسية والميدانية التي تجعل مستقبل إدارة قطاع غزة مفتوحاً على عدة سيناريوهات.



