عاجل

يواجه العمل البرلماني في مصر تحدياً بنيوياً كبيراً أثر بشكل مباشر على الصورة الذهنية والوظيفة الدستورية لعضو مجلس النواب؛ فبينما يحدد الدستور دور النائب في صياغة التشريعات، وإقرار السياسة العامة للدولة، وممارسة الرقابة الصارمة على أعمال السلطة التنفيذية، انحرف هذا الدور على أرض الواقع ليتقلص في إطار ما يُعرف بـ "نائب الخدمات".

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات إدارية وتشريعية على رأسها الغياب الطويل للمجالس المحلية، مما أحدث خللاً جسيماً في منظومة العمل النيابي وأداء البرلمان ككل. وهنا تأتي الإجابة المباشرة عن تساؤل "هل غياب المجالس المحلية هو السبب؟" وهي بكل تأكيد "نعم وبشكل قاطع"؛ إن عدم وجود مجالس محلية منتخبة على مدار سنوات طوال هو العامل الرئيسي والأساسي الذي ألقى بعبء العمل المحلي التنافسي واليومي على كاهل نواب البرلمان.

ففي الوضع الطبيعي تنقسم الأدوار؛ فالمجالس المحلية (القرية، والمركز، والمدينة، والمحافظة) هي المعنية بمتابعة رصف الطرق، وشبكات الصرف الصحي، وإنارة الشوارع، ومشاكل المدارس والمستشفيات وخلافه. ومع الاختفاء الكامل للمحليات، وجد المواطن نفسه بلا ظهير رقابي أو خدمي داخل دائرته، فلم يعد أمامه سوى اللجوء إلى نائب البرلمان لحل مشكلاته اليومية البسيطة، وتحولت المقرات النيابية إلى "مكاتب صحة وشكاوى"، واضطر النواب تحت ضغط الرغبة في الحفاظ على وضعهم الانتخابي إلى إفراغ وقتهم وجهدهم في ملاحقة الوزراء والمحافظين للحصول على "تأشيرات" وخدمات شخصية أو عينية لدائرتهم، وهي في الأصل وظيفة أصيلة لعضو المجلس المحلي.

هذا التصور المنقوص لدور النائب ألقى بظلاله السلبية على الأداء العام للمؤسسة التشريعية، وظهر هذا التأثير في عدة مناحٍ، أهمها: تراجع الأداء الرقابي واستخدام الأدوات المستحقة للنائب كالاستجوابات وطلبات الإحاطة وسحب الثقة لمحاسبة المقصرين، وتراجع الأدوات الرقابية الحادة خشية صدام النائب مع سلطة تنفيذية يحتاجها لتمرير خدمات دائرته.

أيضاً كان هناك التأثير على الكفاءة التشريعية؛ فبدلاً من التفرغ الكامل لدراسة القوانين المعقدة (الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية) وصياغتها بدقة، تشتت وقت النائب بين أروقة الوزارات لإنهاء طلبات المواطنين، مما يضعف جودة المناقشات التشريعية. أما معايير الاختيار الانتخابي فقد اختلفت تماماً؛ فبدلاً من اختيار المرشح بناءً على الكفاءة القانونية والرؤية السياسية والوعي الثقافي، أصبح اختيار المرشح بناءً على قدرته على تقديم خدمات مباشرة.

وأدى تقلص دور النائب إلى "نائب خدمات" إلى نشوء نوع من "الابتزاز السياسي المتبادل" بين النائب والحكومة؛ فالنائب الذي يقضي جل وقته يبحث عن تأشيرة "موافق" لإنشاء وحدة صحية أو رصف طريق في دائرته يصبح حريصاً على رضا المسؤول التنفيذي. هذه الاعتمادية أضعفت بوضوح القدرة الرقابية للبرلمان، فالنائب لا يستطيع مهاجمة مسؤول يملك في جيبه مفاتيح الخدمات التي يحتاجها لتأمين مقعده في الدورة الانتخابية المقبلة.

الخلاصة أنه لا إصلاح برلماني بدون محليات، وإن محاولة تبرئة البرلمان من ضعف أدائه التشريعي والرقابي في بعض الملفات تبدأ من تشخيص الداء الحقيقي؛ فالنائب ليس "وكيل خدمات" للمواطنين، بل هو شريك في حكم وإدارة وتشريع الدولة. وطالما ظلت الساحة المحلية شاغرة من مجالسها المنتخبة، سيبقى النائب يدور في حلقة مفرغة بين طلب التزكية وملاحقة التأشيرات، وسيبقى الأداء البرلماني مكبلاً بطلبات "رصف الطرق ومتابعة الخدمات" بدلاً من أن ينشغل بصياغة التشريعات ورسم سياسات الدولة العليا؛ ولذلك فإن عودة المجالس المحلية لم تعد مجرد استحقاق دستوري مؤجل، بل هي طوق النجاة الوحيد لاستعادة البرلمان لهيبته ودوره الحقيقي.

واستعادة النائب لدوره التشريعي والرقابي الأصيل ليست مستحيلة ولكنها مشروطة بتغيير جذري في البيئة المحيطة به؛ لأن استمرار الوضع الحالي يجعل من "نائب الخدمات" الخيار الوحيد والمطلوب دائماً في نظر المواطن البسيط.

وأخيراً، فإن المواطن لن يتوقف عن طرق باب النائب طلباً للخدمات إلا إذا وجد البديل الشرعي، وهو البديل المتمثل في إجراء انتخابات المجالس المحلية؛ فعودة المجلس المحلي هي الخطوة الأولى لتخفيف العبء عن كاهل نائب البرلمان. وعندما يجد المواطن "عضو مجلس محلي" في قريته أو حيه يملك الصلاحية لمحاسبة رئيس الحي ورصف الطريق وحل أزمة المدرسة، سيتوقف تلقائياً عن الذهاب لعضو مجلس النواب.

أما إذا استمر غياب المحليات وظلت الخدمات الحكومية رهينة التزكية والوساطة، فإن وضع "نائب الخدمات" سيستمر ويتجذر؛ لأن المواطن مدفوع بحاجته اليومية الملحة ولا يملك رفاهية انتظار التشريعات. وإذا رُفعت مسؤولية العمل الخدمي عن عاتق البرلمان عبر إحياء المحليات، فحينها فقط يستطيع النائب أن يستعيد وظيفته الحقيقية كمشرع ورقيب، ويتحول تقييم المواطن له من: "ماذا قدم لدائرتنا من استثناءات؟" إلى: "كيف دافع عن حقوقنا ومستقبلنا تحت قبة البرلمان؟"

تم نسخ الرابط