تواجه الهيئة العامة للتأمين الصحي في مصر تحديات جسيمة تتطلب وقفة حقيقية ومراجعة شاملة لسياسات الإدارة وخاصة مع قرب انتهاء فترة رئيس الهيئة الحالي نهاية الشهر الجاري وتواتر الأنباء الشبه مؤكدة حول اتجاه النية لإسناد رئاسة الهيئة لشخصية "مغتربة" من خارجها في خطوة لا يمكن وصفها إلا بأنها مجاملة فجة وتعدٍّ صارخ على حقوق كفاءات الهيئة الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها.
إن المتأمل في مسيرة هذه الهيئة العريقة مؤخراً، يلحظ بوضوح حالة من التراجع والارتباك وهو نتاج مباشر لسياسة الاستعانة بـ "قيادات وافدة ومستوردة" من قطاعات طبية تختلف طبيعتها كلياً عن طبيعة التأمين الصحي. هذا القطاع ليس مجرد جهة علاجية عابرة ولن يستطيع إصلاح تلك المنظومة وإعادتها إلى مسارها الصحيح إلا من تدرج في أروقتها وتشبع بثقافتها الإدارية والخدمية.
تفريغ الهيئة من كفاءاتها.. لصالح من؟
يعلم الجميع أن هيئة التأمين الصحي غنية بكوادرها الطبية والإدارية قادرة على إدارة هذا الملف بصورة تفوق بمراحل تلك القيادات المفروضة من الخارج. إن إقصاء أبناء الهيئة والاعتماد على الوافدين لم ينتج عنه سوى غياب الرؤية الواقعية للمنظومة واحتياجاتها الفنية على الأرض شلل في القرارات الحاسمة وتأخرها في الأوقات الحرجة نتيجة عدم الدراية بخبايا العمل حالة إحباط عامة تضرب الكفاءات التي تجد نفسها مستبعدة من قيادة بيتها الكبير.
ونحن الآن على أعتاب حركة تغييرات واسعة مرتقبة بوزارة الصحة بعد قرب إنهاء لجنة القيادات لتقييماتها، فإن الآمال معقودة على أن تكون هذه الحركة طوق نجاة يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح ويضع "أهل مكة على رأس شعابها".
"تصعيد الشباب".. كلمة حق يُراد بها باطل إداري
من الظواهر المقلقة التي شهدتها المنظومة مؤخراً هي سياسة إقصاء الخبراء وتهميشهم بحجة "تصعيد الشباب"، وهو مفهوم يُطبق حالياً بطريقة مغلوطة ومدمّرة.
"إن تمكين الشباب وتصعيدهم ضرورة، ولكن بمفهوم علمي وتدريجي؛ فالمكان الطبيعي لتأهيلهم وضخ الدماء الجديدة هو إدارة المستشفيات والمراكز الطبية لصقل خبراتهم، وليس القفز بهم فجأة ليتصدروا قيادة قطاعات سيادية وعملاقة."
إن قيادة قطاع بحجم التأمين الصحي تتطلب رصيداً ضخماً من الخبرة المتراكمة داخل هيئة التأمين الصحي وقدرة استثنائية على إدارة الأزمات، وفهماً عميقاً للتشريعات واللوائح المنظمة لتلك الهيئة. يصبح الاستغناء عن خبراء المنظومة وإقصاؤهم قبل بلوغهم سن التقاعد بمثابة "انتحار إداري" يحرم الدولة من عقول فذة يصعب تعويضها في وقت حرج.
كفى تجارب.. أنقذوا المظلة العلاجية للمصريين
إن الحاجة باتت ملحة لتعيين أحد كبار كوادر الهيئة لإدارة ملف التأمين الصحي قائد يمتلك الشرعية المهنية والقبول، وملم تفصيلياً بوضع الهيئة
نأمل أن تنظر القيادة السياسية ومعالي وزير الصحة بعين الاعتبار لهذه المطالب المستحقة في حركة القيادات القادمة، وألا تترك هذه الهيئة العريقة لحقل التجارب. فالاستعانة بالخبراء من أبناء الهيئة هو السبيل الوحيد لإنقاذ التأمين الصحي وإعادته مظلة حماية حقيقية للمواطن المصري.