تقرير: توتر حاد وغير مسبوق منذ سنوات بين الولايات المتحدة والسعودية
كشفت القناة الـ12 الإسرائيلية، أن خلاف استثنائي يلوح في الأفق بين واشنطن والرياض على خلفية الحرب في إيران، وإدارة ترامب هددت بتجميد صفقة أسلحة للمملكة مما أجبر الأخيرة على التراجع، كما أعتبرت الرياض عدم زيارة روبيو "إهانة متعمدة"، وولي العهد السعودي يرفض حضور قمة السبع (G7).
وتشهد العلاقات الأمريكية السعودية توتراً دراماتيكياً في أعقاب الموقف السعودي من الحرب، وواشنطن تدرس حالياً تقليص وجودها العسكري داخل أراضي المملكة العربية السعودية، وإسرائيل تعد إحدى الوجهات التي تدرس الولايات المتحدة نقل قواتها إليها، وذلك بعد أن دعت السعودية ترامب لوقف الحرب، واتخذت خطوات للتقارب مع إيران.
تفاصيل الأزمة: جذور الخلاف بدأت قبيل الحرب في إيران
وصل التوتر الحاد والاستثنائي بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في الأشهر الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وذلك على خلفية الخلافات العميقة حول الحرب في إيران وطريقة إدارة الإدارة الأمريكية للملفات الإقليمية.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن واشنطن تدرس بجدية خيار تقليص حجم وجودها العسكري في السعودية، وعلى الرغم من أن هذا الإجراء لا يزال في مراحله التخطيطية الأولى ولم تتخذ فيه قرارات نهائية بعد، إلا أنه يأتي في سياق تقارير متزايدة تفيد بأن التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة برمتها يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة.
وحسبما أفاد التقرير، فإن الصدام بين البلدين تفاقم بشكل حاد عندما أطلقت الولايات المتحدة ما يعرف بـ "مشروع الحرية" (Project Liberty)، وهو عملية عسكرية أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب لتأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز. واجهت هذه العملية عقبة رئيسية بعد رفض المملكة العربية السعودية السماح للأمريكيين باستخدام قواعدها العسكرية ومجالها الجوي—وهي عناصر كانت تُعد حاسمة لإنجاح المهمة. وبدلاً من ذلك، مارست الرياض ضغوطاً على واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع إيران وإعادة فتح المضيق بشكل متبادل.
التهديد بالسلاح والتراجع المؤقت
أجبر الموقف السعودي الحازم الولايات المتحدة على تعليق العمليات العسكرية بعد أيام قليلة فقط من إعلان الرئيس ترامب عنها.
وأثار هذا التراجع أثار غضباً عارماً داخل البيت الأبيض، مما دفع الإدارة الأمريكية للتهديد بتأخير تسليم صواريخ اعتراضية تحتاجها السعودية بشدة لصد الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ، ما لم تُغير الرياض موقفها.
وأشار التقرير إلى أن السعودية تراجعت في نهاية المطاف وسمحت مجدداً باستخدام أجوائها وقواعدها، إلا أن مسؤولين أمريكيين أكدوا أن الضرر الذي لحق بالعلاقات الثنائية لن يزول سريعاً.
ووصفت مصادر أمريكية هذه الأزمة—التي تخللتها اتصالات هاتفية مشحونة بين ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان—بأنها الشرخ الأعمق في العلاقات بين البلدين منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
مؤشرات الجفاء الدبلوماسي
امتدت آثار الأزمة لتلقي بظلالها على المشهد الدبلوماسي؛ حيث أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جولة خليجية الأسبوع الماضي شملت الإمارات والكويت والبحرين، وتجاوز فيها زيارة السعودية.
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة في الرياض أن هذه الخطوة فُسرت سعودياً بأنها "إهانة متعمدة" مقصودة من واشنطن.
من جانبها، نفت إدارة ترامب هذه القراءة، مؤكدة أن روبيو أجرى محادثات إيجابية مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على هامش اجتماع مجلس التعاون الخليجي، وصدر في ختام اللقاءات بيان مشترك يؤكد التزام الطرفين بالشراكة الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، كان ولي العهد السعودي قد اعتذر قبل أسبوع من ذلك عن تلبية دعوة لحضور قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا، احتجاجاً على الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الحرب.
ورغم أن وسائل الإعلام السعودية الرسمية بررت الغياب بوجود "ارتباطات مسبقة"، إلا أن القمة شهدت حضور قادة عرب آخرين مثل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
تحذيرات اقتصادية وإقليمية لم تنل اهتمام واشنطن
كشف التقرير أن الخلافات بدأت حتى قبل اندلاع الشرارة الأولى للحرب؛ حيث حاولت السعودية ودول خليجية أخرى على مدار أسابيع إقناع الإدارة الأمريكية بتبني المسار الدبلوماسي مع طهران، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحشد قواتها وتطالب حلفاءها بالاستعداد لمواجهة واسعة النطاق.
وحذر المسؤولون السعوديون البيت الأبيض من أن أي محاولة للإطاحة بالنظام الإيراني قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، مما سيصيب أسواق النفط بالشلل، ويضرب الاقتصاد الأمريكي، ويزعزع استقرار المنطقة بالكامل.
وأعلنت دول الخليج علناً أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجمات مباشرة ضد إيران.
ورغم هذه التحذيرات، انخرطت الولايات المتحدة في الحرب إلى جانب إسرائيل، وهو ما عمّق الشعور لدى الرياض بأن الاستثمار في التحالف مع واشنطن لا يترجم إلى تأثير حقيقي في عملية صنع القرار الإستراتيجي.
تصعيد عسكري وتحولات في التحالفات
ردت إيران على الحرب بإطلاق رشقات من الصواريخ والمسيرات نحو مراكز سكنية ومنشآت طاقة ومطارات في دول الخليج، مما دفع السعودية ودول المنطقة—رغم تحفظاتها الأولى—إلى فتح أجوائها سريعاً للدفاع الصاروخي الأمريكي.
وتشير التقرير إلى أن بعض الدول، بما فيها السعودية، شاركت لاحقاً بشكل غير معلن في شن ضربات ضد مواقع صواريخ ومسيرات داخل إيران لحماية أمنها.
ومع استهداف إيران لمنشآت طاقة حيوية في قطر والإمارات والسعودية، تحرك ولي العهد السعودي لتهدئة النيران؛ فطلب من واشنطن الضغط على الإمارات لوقف التصعيد العسكري ضد إيران، ودعا لتخفيف الحصار عن الموانئ الإيرانية لإعادة فتح طاولة المفاوضات، خوفاً من لجوء طهران لخنق ممرات مائية أخرى مثل مضيق باب المندب، الذي تضاعفت أهميته للاقتصاد السعودي بعد تضرر حركة التصدير عبر الخليج العربي.
وعلى الرغم من هذه التوسلات الدبلوماسية، أبقى ترامب على الحصار وأعلن في مطلع مايو عن "مشروع الحرية"، لتبدأ القطع البحرية والجوية الأمريكية بمرافقة السفن التجارية في مضيق هرمز، وحينها، أبلغ محمد بن سلمان ترامب أن هذا التحرك يعد استفزازاً خطيراً لإيران ويجب مراجعته.
وبالفعل، سرعان ما هاجمت إيران الملاحة البحرية ومنشأة شحن نفط إماراتية، مما اعتبر التصعيد الأخطر منذ هدنة أبريل.
إعادة رسم الخارطة العسكرية في المنطقة
أحدث القرار السعودي بحظر القواعد والأجواء صدمة لدى الدوائر العسكرية في واشنطن، مما وضع نهاية فعلية لـ "مشروع الحرية".
وعمقت هذه الخطوة الفجوة بين الرياض وأبو ظبي؛ حيث أعلنت الإمارات في تلك الأثناء انسحابها من منظمة "أوبك"، في إشارة واضحة لرغبتها في تعزيز تحالفها الأمني المستقل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، اتجهت السعودية لتعزيز علاقاتها مع إيران واستقدمت قوات باكستانية إلى أراضيها في إطار تحالف دفاعي جديد يقود مساعي إنهاء الحرب.
وفي المحصلة، ورغم رفع السعودية للقيود لاحقاً تحت وطأة التهديد الأمريكي بقطع إمدادات الدفاع الجوي، إلا أن الولايات المتحدة لم تعد لإحياء "مشروع الحرية"، بل بدأت بتنسيق خروج سفنها من الخليج ليلاً وبأجهزة إرسال مغلقة.
وتؤكد المصادر الحالية أن واشنطن تدرس بجدية خفض مقاتليها وقدراتها العسكرية في السعودية، وتوجيه هذه التعزيزات نحو الشركاء الذين أبدوا تعاوناً أوسع خلال الحرب، وعلى رأسهم إسرائيل والأردن، مؤكدة في الوقت ذاته أن المقترح لا يزال في طور النقاش ولم يدخل حيز التنفيذ النهائي بعد.