من دموع شيرمان لمقولة ترامب الخالدة.. لماذا يخشى الغرب المفاوض الإيراني
عنوان : من دموع شيرمان لمقولة ترامب الخالدة.. لماذا يخشى الغرب المفاوض الإيراني؟
لم تكن الساعات الأخيرة من مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 مجرد سباق مع الزمن لإنجاز وثيقة دبلوماسية، بل تحولت إلى اختبار نفسي معقد كشف طبيعة المدرسة الإيرانية في التفاوض، وهي المدرسة التي رسخت على مدار عقود سمعة طهران باعتبارها واحدة من أكثر الدول قدرة على استنزاف خصومها وإدارة الوقت كورقة ضغط حتى اللحظات الأخيرة.
وتكشف شهادات كبار المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين، إلى جانب مذكرات مسؤولين ودبلوماسيين غربيين، أن التفاوض بالنسبة لإيران لا يُنظر إليه باعتباره وسيلة لإنهاء الأزمات، وإنما امتدادًا للصراع السياسي نفسه، حيث يصبح الصبر وطول النفس وإعادة فتح الملفات والتمسك بالتفاصيل أدوات تفاوضية لا تقل أهمية عن أوراق القوة العسكرية أو الاقتصادية.
كيف صنعت إيران أسطورة "المفاوض الذي لا يتعجل الهزيمة"؟
وفي واحدة من أكثر الوقائع دلالة، تروي رئيسة الوفد الأمريكي للمفاوضات النووية السابقة، ويندي شيرمان، في مذكراتها أن نظيرها الإيراني عباس عراقجي أعاد فتح نقطة سبق الاتفاق عليها بالكامل بعد نحو عامين من المفاوضات الشاقة، الأمر الذي دفعها إلى الانهيار والبكاء داخل قاعة التفاوض بسبب الإرهاق والضغوط السياسية التي كانت تواجهها الإدارة الأمريكية مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لإنجاز الاتفاق.
ووفقا لشيرمان، قالت للمفاوض الإيراني إن الكونجرس يستعد لدخول عطلة وإن استمرار المفاوضات قد يهدد كل ما تحقق، قبل أن يقرر الوفد الإيراني التوقف عند تلك النقطة، بينما كتب عراقجي لاحقا في كتابه "قوة التفاوض" أن تلك كانت المرة الأولى التي يرى فيها مفاوضًا يبكي على طاولة المفاوضات.
وتحولت هذه الواقعة إلى واحدة من أشهر الأمثلة التي يستشهد بها الباحثون عند الحديث عن أسلوب التفاوض الإيراني، وهو ما انعكس أيضًا في تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى عندما قال إن "إيران لم تكسب حربًا قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات"، في إشارة إلى قدرة طهران على الصمود داخل المسارات الدبلوماسية مهما طالت.
كما حملت العلاقة التفاوضية بين طهران والغرب إشارات رمزية لافتة، من بينها إهداء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر نسخة من كتابه "الدبلوماسية" إلى وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، مرفقة بعبارة: "إلى عدوي المحترم".
ويرى باحثون أن جذور هذا النهج تعود جزئيًا إلى الثقافة السياسية الإيرانية، إلا أن كثيرين يعتبرون أن العقيدة التفاوضية الحالية تشكلت بصورة أساسية بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979، عندما أصبح التفاوض جزءًا من استراتيجية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة والقوى الغربية.
ومنذ أزمة احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران التي استمرت 444 يومًا، مرورًا بملف "إيران كونترا"، وانتهاءً بالمفاوضات النووية التي امتدت أكثر من 12 عامًا، رسخت إيران صورة المفاوض الذي يراهن على الزمن، ويستخدم التأخير وإعادة النقاش في التفاصيل وسيلة لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب.

ويشرح عباس عراقجي في كتابه أن ما يعرف عالميًا بـ"أسلوب البازار" يقوم على التكرار والمساومة والصبر والعناد، حتى يتحقق الهدف النهائي، مشبهًا التفاوض بحقل ألغام قد يؤدي فيه خطأ واحد إلى خسارة كل شيء.
وفي السياق نفسه، شبّه وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو التفاوض مع الإيرانيين بشراء سيارة يتم الاتفاق على ثمنها، قبل أن يكتشف المشتري عند التسليم أن الإطارات ليست جزءًا من الصفقة، ليبدأ التفاوض من جديد على كل تفصيل.
أما ويندي شيرمان، فوصفت المفاوضات مع طهران بأنها تشبه لعبة "مكعب روبيك"، إذ يؤدي تعديل بند واحد إلى إعادة ترتيب جميع البنود الأخرى، وهو ما جعل فريقها يصنع نسخة خاصة من اللعبة تحمل عبارات من نصوص الاتفاق النووي كتذكار لتلك المفاوضات.
ويؤكد خبراء أن الوقت يمثل أحد أهم أسلحة المدرسة الإيرانية في التفاوض، إذ تراهن طهران على تغير الظروف السياسية لدى خصومها، سواء عبر الانتخابات أو الضغوط الداخلية أو تبدل الإدارات، بما يسمح بتحسين شروط التفاوض بمرور الوقت.
وخلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، اضطر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري إلى البقاء 18 يومًا متواصلة في العاصمة النمساوية فيينا، في واحدة من أطول الإقامات الدبلوماسية لوزير خارجية أمريكي خارج بلاده منذ عقود، بينما كان الوفد الإيراني يؤكد أنه لا يشعر بأي استعجال لإبرام الاتفاق.
كما يوضح كتاب "خسارة عدو.. أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية" للأكاديمي تريتا بارسي أن تجاوز المواعيد النهائية لم يكن نتيجة تعثر المفاوضات، بل أصبح جزءًا من قواعد اللعبة، حيث واصل كل طرف رفع سقف مطالبه حتى اللحظات الأخيرة.

ورغم الخطاب الثوري الذي تتبناه طهران، فإن الوقائع التاريخية تكشف عن قدر كبير من البراغماتية، إذ شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية محطات تفاوض سرية عديدة، أبرزها قضية "إيران-كونترا"، إضافة إلى القنوات الخلفية التي سبقت الإعلان عن المفاوضات النووية.
كما تشير تقارير ومذكرات مسؤولين إلى أن إيران كثيرًا ما تفضل استخدام الوسطاء، وتجنب اللقاءات المباشرة أو الصور المشتركة مع المسؤولين الأمريكيين، حفاظا على الخطاب السياسي الداخلي، مع استمرار الاتصالات غير المعلنة عند الضرورة.
ورغم السمعة التي اكتسبها المفاوض الإيراني، فإن التجربة لم تكن دائمًا ناجحة، إذ تعرضت طهران لانتكاسات عسكرية وسياسية خلال سنوات التفاوض، كما كشفت مذكرات محمد جواد ظريف عن وجود خلافات داخلية وصراعات على مراكز صنع القرار، وقيود فرضتها مؤسسات الدولة على التحرك الدبلوماسي.
ويخلص مراقبون إلى أن قوة المفاوض الإيراني لا تكمن فقط في أوراق القوة التي يمتلكها، بل أيضًا في الصورة الذهنية التي نجح في ترسيخها لدى خصومه؛ وهي صورة تقوم على الصبر، واستنزاف الوقت، وعدم التسرع في إنهاء المعركة قبل اختبار جميع الخيارات الممكنة، لتتحول القدرة على الاحتمال مع مرور السنوات إلى أحد أبرز عناصر الهوية الدبلوماسية الإيرانية.



