عاجل

تتعرض بلادنا لموجات شديدة من الإشاعات والأخبار الزائفة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعد من أكثر الوسائل نشرًا لها. ومع انتشار الهواتف الذكية، أصبح تداولها أكثر سرعة وانتشارًا وأعظم خطرًا؛ إذ يصعب في كثير من الأحيان تعقب المصدر لأنها غالبًا ما تعمد إلى إثارة المشاعر ونشر الخوف، وكثيرًا ما تتداول الجماهير الأخبار الزائفة دون السعي للتأكد من صحتها.
ومن هنا برزت خطورتها بوصفها أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات؛ ليس لأنها تنقل معلومات غير صحيحة فحسب، بل لأنها تستهدف تغييب وتزييف الوعي، وإرباك الرأي العام، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة والمجتمع، وزعزعة الاستقرار، وإثارة البلبلة والانقسام داخل المجتمع، مما يترك أثرًا سلبيًا على الرأي العام، وخاصة شباب الأمة الذين يُراد لهم التمزق والتشرذم والتمرد، إلى الحد الذي تخطت فيه الأخبار الزائفة كونها ظاهرة، لتصبح من جانب أعداء الوطن صناعةً كاملة تعتمد على أسس احترافية، يُجند لها متخصصون، ويتورط فيها أفراد من الجمهور.
وحماية الأمن القومي لم تعد تقتصر على حماية الحدود، بل تشمل كذلك حماية الوعي العام من محاولات التضليل والتزييف؛ فالعقول أصبحت ساحة معركة، ومن ينجح في السيطرة عليها يملك القدرة على التأثير في حاضر الأمة ومستقبلها.
فخطورة الأخبار الزائفة لا تكمن في كونها معلومات غير صحيحة أو محرفة فحسب، بل فيما تتركه من آثار نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية قد تمتد لسنوات؛ فقد يؤدي خبر ملفق إلى نشر الخوف بين المواطنين، أو إحداث اضطرابات في الأسواق، أو الإساءة إلى مؤسسات ورموز وطنية، أو تأجيج الاحتقان بين فئات المجتمع، أو التشكيك في إنجاز وطني، حتى تصبح الحقيقة نفسها موضع شك.
ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود شائعات وأخبار زائفة، وإنما سرعة تصديقها وإعادة نشرها دون تحقق أو تمحيص. ومن هنا، فإن بناء الوعي النقدي، وتعزيز التربية الإعلامية، وترسيخ ثقافة الرجوع إلى المصادر الرسمية، أصبحت من أهم الوسائل في حماية المجتمع من حملات التضليل.
فتغييب الوعي وتزييفه يبدأ عندما يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الأخبار الحقيقية والزائفة، وعندما يصبح أسيرًا للمعلومات غير الموثقة. والمجتمعات التي يسود فيها الوعي تكون أكثر قدرة على مواجهة ذلك، بينما تصبح المجتمعات التي يغيب عنها الوعي أكثر عرضة للانقسام، ونشر الفتن، وإثارة البلبلة.
والحفاظ على الوطن لا يكون فقط بحماية حدوده، وإنما كذلك بحماية وحدته، وصون وعي أبنائه، والحفاظ على ثقته في مؤسساته. فالوطن القوي هو الذي يملك مواطنًا واعيًا يزن ما يسمع بعقله، ويحتكم إلى الحقائق لا إلى الشائعات والأخبار الزائفة، ويجعل المسؤولية الوطنية منهجًا في كل كلمة يكتبها أو ينقلها.
فمعركة الوعي هي معركة كل مواطن، والكلمة أمانة، والحقيقة مسؤولية. والوطن يستحق منا أن نكون حراسًا له، لا جسورًا تعبر عليها الأكاذيب؛ فكما نحمي حدود الوطن بالسلاح، يجب أن نحمي وعيه بالحقيقة، لأن الأمم لا تنهزم حين تضعف قوتها فحسب، وإنما تنهزم حين تُغتال الحقيقة في عقول أبنائها.
فبناء الأوطان لا يكون بالمشروعات والإنجازات فحسب، وإنما ببناء الإنسان الواعي الذي يميز بين الخبر والمعلومة المضللة. فالوطن الذي يمتلك شعبًا واعيًا يصعب اختراقه، أما إذا استسلم المجتمع للشائعات والأخبار الزائفة، فإن أعداءه يحققون أهدافهم بأقل تكلفة.
ومن هنا تقع المسؤولية على الجميع؛ فالإعلام مطالب بالالتزام بالمهنية والموضوعية، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب، والأسرة كذلك مطالبة بتربية الأبناء على ثقافة التحقق وعدم الانسياق وراء الشائعات. كما أن كل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي مسؤول عن كل ما ينشره أو يعيد تداوله.
فبناء الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأخبار الزائفة؛ فالوعي يحصن العقول، ويحفظ تماسك المجتمع، ويعزز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، ويحول دون استغلال ذلك في زعزعة الأمن والاستقرار.
ومن عظمة شريعة الإسلام في هذا المجال أنها أرست قواعد راسخة للتعامل مع الأخبار، فجعلت التثبت أصلاً من أصول السلوك، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
كما حذر رسول الله ﷺ من التسرع في نقل الأخبار قبل التحقق، ففيما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
وهي توجيهات تؤسس لثقافة المسؤولية الإعلامية واحترام الحقيقة؛ لأن معركة الوعي لم تعد معركة سلاح فقط، بل أصبحت معركة وعي، وكلما ارتفع مستوى الوعي ضاقت مساحة تأثير الأخبار المزيفة، وحافظ المجتمع على وحدته واستقراره وقدرته على مواجهة التحديات بثقة وبصيرة.
 

تم نسخ الرابط