عاجل

أصبح العالم كله أشبه بسيرك دولي؛ فلدينا المهرج والساحر ولاعب الأكروبات وحتى مروض الحيوانات، كلهم متواجدون الآن على المسرح العالمي في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فبعد أن تنفس العالم كله وبدأ في التقاط الأنفاس بعد التوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الشعور بالقلق ولم يدم ذلك الارتياح سوى أيام في ظل وضع دولي أشبه بالسيرك.

فبعد التوقيع في 18 يونيو على مذكرة التفاهم، عادت الضربات الأمريكية على إيران الجمعة 26 يونيو، وهي الضربات التي جاءت مباشرة بعد جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الخليجية، والتي شملت الإمارات والكويت والبحرين. فهل كان لهذه الجولة تأثيرها على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف الضربات، خاصة وأن الكونجرس الأمريكي وبعد أن اتخذ قرارًا بمنع ترامب من استئناف الحرب عاد بعدها بساعات لتغيير الموقف بعد تراجع اثنين من أعضاء الكونجرس الجمهوريين عن تصويتهم لصالح القرار؟

فترامب يريد إقناع شعبه أنه كسب الحرب، وأن حتى الأموال الإيرانية المجمدة ستذهب لشراء منتجات أمريكية، وأن دول الخليج هي من ستدفع الـ 300 مليار دولار لصالح الصندوق الذي اقترحه، وأن أمريكا لن تساهم في هذا الصندوق بأي أموال. كل ما يهم ترامب حاليًا هو الصوت الانتخابي الأمريكي في ظل انتخابات تجديد نصفي قادمة في نوفمبر القادم للكونجرس الأمريكي بمجلسيه.

ولكن في المقابل استمرت إيران في عنادها؛ فقد أكد المسؤولون الإيرانيون أن الأموال الإيرانية المجمدة لن تشتري بضائع أمريكية، وبدأت طهران في التفاهم بشكل ثنائي مع السعودية والإمارات لبحث التعاون في إطار خطط مطروحة حاليًا على الطاولة لمستقبل التعاون بين دول الشرق الأوسط في أطر جديدة. وكذلك رفضت إيران تمامًا التخلي عن ورقة حزب الله في لبنان، وربطت الأمرين معًا: وقف الحرب عليها ووقف إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان، وأكدت أنها انتصرت والدليل على ذلك أنها لا تزال قادرة على التحكم في مضيق هرمز.

وبالطبع كل ذلك أزعج ترامب وأدى إلى ميله إلى كفة تيار وزير خارجيته ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث، وهو تيار يقابله في المقابل تيار نائب الرئيس جيه دي فانس الذي نجح في التوصل لمذكرة تفاهم مع إيران، ولكن جاءت جولة روبيو لتعرقله. فهل الأمر يخضع أيضًا لهذا التنافس بين روبيو وفانس، خاصة وأن الاثنين من أكبر المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة القادمة في 2028 والتي تبدأ حملاتها الانتخابية من نهاية العام القادم؟

والواضح أن كلاًّ من ماركو روبيو وجيه دي فانس يمثلان تيارين واستراتيجيتين سياسيتين مختلفتين داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري في أمريكا، حيث يبرز كلاهما كمرشحين بارزين لخلافة ترامب في انتخابات 2028.

يمثل المعسكر الداعم لفانس، نائب الرئيس الأمريكي، تيار الانعزالية والواقعية في القاعدة الشعبية لحركة "ماغا" وتيار "أمريكا أولاً"، حيث يرى قطاع واسع من الناخبين الجمهوريين أن الحروب الخارجية استنزاف لموارد الولايات المتحدة. وكذلك يقف خلف فانس الجناح الشعبوي في الحزب الجمهوري، ويضم أعضاء ومفكرين يرفضون التدخلات العسكرية المكلفة ويدعون للتركيز على القضايا الداخلية.

أما المعسكر الداعم لروبيو، وزير الخارجية، فيتركز في تيار المحافظين الجدد والمؤسسة التقليدية للفصل الجمهوري، وهي النخب السياسية القديمة التي تؤمن بضرورة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية الخارجية والتدخل النشط. وكذلك التيار الصدامي (الصقور)، وهي شخصيات تدفع نحو سياسات صارمة وتصادمية تجاه خصوم واشنطن التقليديين مثل إيران وروسيا، وأيضًا يقف معه الناخبون المستقلون حيث يحظى روبيو بقبول أوسع لديهم بفضل خطابه الخارجي الدبلوماسي مقارنة بالخطاب التقليدي لفانس.

وتعد أبرز التباينات السياسية بين الجناحين في مسألة إدارة الأزمات، حيث تبرز خلافات الرؤى بينهما في ملفات حساسة مثل الشرق الأوسط؛ حيث يميل روبيو للدفاع عن حلفاء أمريكا بقوة وعلى رأسهم إسرائيل وضرب الأهداف المعتدية، بينما يدفع فانس في كثير من الأحيان نحو التهدئة ومنع التصعيد العسكري لحماية المصالح والجنود الأمريكيين. ويتنافس الجناحان على كسب قاعدة ناخبي حركة "ماغا" (MAGA) والناخبين الجمهوريين لتحديد مسار الحزب بعد انتهاء حقبة ترامب. ولكن وعلى الرغم من هذا التباين -والذي ظهر بوضوح مؤخرًا في ملفات الشرق الأوسط وإيران- يؤكد مسؤولو الإدارة التزامهم التام بقرارات وسياسات الرئيس دونالد ترامب.

ويرى البعض أن هذه الخلافت داخل الإدارة الأمريكية تعكس بدء السباق الرئاسي لعام 2028 قبل موعده؛ فوفقًا لتقارير نشرتها "وول ستريت جورنال" و"هيل" و"بوليتيكو"، إلى جانب تحليل في "نيويورك تايمز"، يبدو أن ماركو روبيو يحاول زيادة حضوره والتمهيد لدور أكبر في المستقبل، خاصة وأن روبيو، الذي يشغل منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، عزز موقعه داخل الدائرة المقربة من ترامب، خصوصًا في ملفات مثل إيران وفنزويلا وكوبا.

في المقابل، تأتي تحركات جيه دي فانس، نائب الرئيس، مرتبطة بإمكانية ترشحه مستقبلاً، ولهذا فقد كان فانس هو الواجهة في المفاوضات الأمريكية مع إيران. ولكن حظوظ فانس تبدو مرتبطة بشكل وثيق بأداء ترامب، إذ قد يستفيد من نجاحاته أو يتضرر من تراجع شعبيته، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة لإدارة الاقتصاد وتأثر قطاعات مثل الزراعة سلبًا بالرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الطاقة، نتيجة التوترات الدولية والحرب مع إيران. وبالتالي، فيبدو أن المنافسة المبكرة داخل الحزب الجمهوري على منصب الرئاسة بعد الرئيس ترامب تتشكل على خلفية ملفات ثقيلة، أبرزها الحرب مع إيران.

ولهذا فإن جولة روبيو الخليجية كانت نقطة تراجع لاتفاق فانس مع إيران، حيث ظهر ذلك في التصريحات الخليجية وتصريحات روبيو أثناء جولته. ويبدو أن السيرك السياسي الحالي سيستمر إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس نوفمبر القادم، وبالتالي فيظل العالم يلتقط أنفاسه قليلاً ثم يعود للقلق من المزيد من عدم الاستقرار في حرية الملاحة في مضيق هرمز وتأثر الاقتصاد العالمي، ونظل جميعًا رهائن للشد والجذب بين تيارين داخل الإدارة الأمريكية عينهم فقط على الانتخابات والداخل الأمريكي، وليذهب العالم كله إلى الجحيم!

ويستمر السيرك بأبطاله: المهرج ترامب، والساحر فانس، ولاعب الأكروبات روبيو، ومروض الأسود وتمثله إيران في حبس أنفاس العالم كله على المسرح الدولي الكبير.

تم نسخ الرابط