عاجل

القرار التاريخي بشأن الكبد الدهني..

كيف قادت مصر ملفا عالميا قد يغيّر مستقبل ملايين المرضى؟

الكبد الدهني
الكبد الدهني

في خطوة وُصفت بأنها تحول تاريخي في ملف الأمراض غير السارية، نجحت مصر خلال أعمال الدورة الـ79 لـ جمعية الصحة العالمية في الدفع نحو اعتماد أول قرار عالمي خاص بأمراض الكبد الدهني، وهو القرار الذي يضع المرض لأول مرة على خريطة الأولويات الصحية الدولية بعد سنوات طويلة من تجاهله رغم انتشاره الواسع.
وخلال زيارته الأخيرة إلى لندن، واصل الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، التحركات المصرية لتحويل القرار من مجرد إعلان سياسي إلى خطة عمل دولية قابلة للتنفيذ، عبر اجتماعات مكثفة مع قيادات منظمة الصحة العالمية والجمعية الأوروبية لدراسة الكبد وكلية إمبريال لندن.

ما هو القرار التاريخي؟

للمرة الأولى في تاريخ منظمة الصحة العالمية، تم اعتماد قرار أممي يطالب الدول الأعضاء بوضع استراتيجيات وطنية لمواجهة أمراض الكبد الدهني، وتعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر والعلاج، ودمج المرض ضمن خطط مكافحة الأمراض غير السارية مثل السمنة والسكري وأمراض القلب.
ويأتي القرار استجابة لتصاعد أعداد المصابين عالميا، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 1.7 مليار شخص حول العالم يعانون من درجات مختلفة من الكبد الدهني.

لماذا أصبح الكبد الدهني أزمة عالمية؟

على مدار سنوات، كان التركيز الأكبر ينصب على الالتهاب الكبدي الفيروسي، بينما ظل الكبد الدهني يتوسع بصمت.
وتكمن خطورته في أن المرض قد لا يسبب أعراضًا واضحة في مراحله الأولى، لكنه مع الوقت قد يؤدي إلى:
- تليف الكبد.
- فشل وظائف الكبد.
- سرطان الكبد.
- زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
- مضاعفات مرتبطة بالسكري والسمنة.
كما أن ارتفاع معدلات السمنة وقلة النشاط البدني والاعتماد على الأغذية عالية السعرات جعل المرض ينتشر بين البالغين والأطفال على حد سواء.

لماذا تقود مصر هذا الملف؟

يرتبط التحرك المصري بالنجاح الكبير الذي حققته الدولة في مواجهة فيروس الالتهاب الكبدي "سي"، فمن خلال مبادرة "100 مليون صحة"، تمكنت مصر من:
- فحص أكثر من 60 مليون مواطن.
- علاج أكثر من 4 ملايين مريض.
- الحصول على المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية في مكافحة فيروس سي.
- هذا النجاح منح مصر خبرة واسعة في إدارة برامج الفحص المجتمعي الشامل وبناء قواعد البيانات والرصد الوبائي، وهو ما تسعى الدولة الآن لتطبيقه في مواجهة الكبد الدهني.

ماذا حدث في لندن؟

شهدت الزيارة ثلاثة تحركات رئيسية:

أولا: افتتاح مركز عالمي للكبد الدهني

شارك وزير الصحة في افتتاح مركز التعاون المشترك بين منظمة الصحة العالمية وكلية إمبريال كوليدج لندن المعني بأمراض الكبد الدهني، ويهدف المركز إلى:
- دعم الأبحاث العلمية.
- إعداد الأدلة الإرشادية العالمية.
- تدريب الكوادر الصحية.
- مساعدة الدول على تنفيذ السياسات الجديدة الخاصة بالكبد الدهني.

ثانيا: لقاء المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية

ناقش الوزير مع هانز كلوج آليات تنفيذ القرار العالمي، واقترح إنشاء آلية تنسيق بين إقليمي أوروبا وشرق المتوسط لمساعدة الدول ذات العبء المرتفع من المرض.

ثالثا: اجتماع دولي متعدد الأطراف

جمع الاجتماع قيادات منظمة الصحة العالمية والجمعية الأوروبية لدراسة الكبد وخبراء إمبريال لندن، وتم الاتفاق على وضع إطار عملي للتنفيذ يشمل:
- التدريب.
- بناء القدرات.
- تطوير الإرشادات العلاجية.
- الرصد الوبائي.
- الأبحاث المشتركة.

كيف سيستفيد المصريون من هذا القرار؟

وفق مسئولون في معهد الكبد القومي، فإن المكاسب المتوقعة للمواطن قد تكون كبيرة خلال السنوات المقبلة، وتأتي كما يلي:

1- التوسع في الكشف المبكر

إدراج تقييم مخاطر الكبد الدهني ضمن برامج الفحص الدوري والرعاية الأولية، ما يساعد على اكتشاف الحالات قبل حدوث التليف أو المضاعفات الخطيرة.

2- ربط الملف بمبادرات السمنة والسكري

لأن الكبد الدهني يرتبط بشكل مباشر بالسمنة ومقاومة الإنسولين، فإن دمجه داخل برامج الأمراض المزمنة سيسمح بعلاج السبب وليس النتيجة فقط.

3- تدريب أطباء الرعاية الأولية

أحد المقترحات المصرية التي نوقشت في لندن هو تدريب الأطباء على التعرف المبكر على عوامل الخطورة ومسارات الإحالة، ما يقلل من تأخر التشخيص.

4- الاستفادة من البنية الرقمية

تمتلك مصر بالفعل شبكات رقمية وقواعد بيانات صحية واسعة يمكن استخدامها لتتبع المرضى ومراقبة عوامل الخطورة وتحسين نتائج العلاج.

5- تقليل العبء الاقتصادي

الاكتشاف المبكر وعلاج المرض في مراحله الأولى أقل تكلفة بكثير من علاج التليف أو سرطان الكبد أو الحاجة إلى زراعة كبد.

هل يمكن القضاء على الكبد الدهني كما حدث مع فيروس سي؟

وفق مصادر تحدثت لـ"نيوز رووم"، فيروس سي كان مرضا معديا يمكن القضاء عليه عبر الفحص والعلاج الدوائي المباشر، أما الكبد الدهني فهو مرتبط بنمط الحياة وعوامل التمثيل الغذائي مثل:
- السمنة.
- قلة الحركة.
- التغذية غير الصحية.
- السكري.
لذلك فإن الهدف ليس "القضاء التام" على المرض، بل خفض معدلات الإصابة ومضاعفاته من خلال الوقاية والكشف المبكر وتعديل نمط الحياة.

ماذا بعد؟

أكدت المصادر أن نجاح القرار لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الدولية، وإنما بمدى قدرة الدول على تحويله إلى برامج حقيقية على الأرض، ومع امتلاك مصر واحدة من أكبر التجارب العالمية في الفحص المجتمعي ومكافحة أمراض الكبد، فإنها تسعى الآن إلى تكرار النجاح نفسه في مواجهة الكبد الدهني، لكن هذه المرة عبر معركة طويلة تعتمد على الوقاية والتوعية وتغيير السلوك الصحي، بهدف حماية ملايين المواطنين من أحد أكثر الأمراض انتشارًا في العالم.

تم نسخ الرابط