تلقينا جميعًا بمزيج من الصدمة والحزن خبر وفاة طفل التجمع الذي نسيه والده داخل السيارة لساعات طويلة، بعدما اصطحبه صباحًا ثم انشغل بمشاهدة مباراة مصر ونيوزيلندا وذهب إلى عمله، قبل أن يكتشف المأساة متأخرًا بعد اتصال من الحضانة للاستفسار عن سبب غياب الطفل. وعندما عاد الأب إلى السيارة، كان الأوان قد فات، إذ فارق الطفل الحياة نتيجة الاختناق وارتفاع درجات الحرارة فيما يُعرف طبيًا بـ"متلازمة الطفل المنسي".
رحم الله الطفل وألهم أسرته الصبر والسلوان.
بعيدًا عن تفاصيل الواقعة المؤلمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: كيف يمكن لأب يحب ابنه بالتأكيد أن ينساه داخل سيارة لساعات؟ وكيف يمكن لإنسان مسؤول وواعٍ أن يغفل عن أمر بهذه الخطورة؟
الإجابة في رأيي لا ترتبط بالقسوة أو الإهمال المتعمد بقدر ما ترتبط بظاهرة أصبحت واحدة من أخطر آفات عصرنا الحديث، وهي التشتت الذهني المزمن وفقدان القدرة على التركيز.
نحن نعيش في زمن لم يعد العقل فيه يعمل بالطريقة التي كان يعمل بها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. فحياتنا أصبحت محاصرة بعشرات المؤثرات التي تتنافس على جذب انتباهنا في كل لحظة. الهاتف المحمول وحده كفيل بأن يحاصر الإنسان بمئات الرسائل والتنبيهات والإشعارات يوميًا. وما بين تطبيقات التواصل الاجتماعي والأخبار العاجلة ومقاطع الفيديو القصيرة والبريد الإلكتروني والمحادثات المختلفة، أصبح العقل في حالة استنفار دائم لا تكاد تتوقف.
المشكلة أن الإنسان يظن أنه قادر على القيام بعدة مهام في وقت واحد، بينما تؤكد الدراسات الحديثة أن الدماغ البشري لا يعمل بهذه الكفاءة المتخيلة. فكل انتقال سريع من مهمة إلى أخرى يستهلك جزءًا من الانتباه والتركيز، ومع تكرار ذلك عشرات المرات يوميًا تبدأ الأخطاء في الظهور، وتزداد فرص النسيان والسهو واتخاذ القرارات غير الدقيقة.
في الماضي كان الطالب يجلس للمذاكرة لساعات طويلة دون مقاطعات تذكر. أما اليوم، فكثير من الطلاب لا يستطيعون الاستمرار عدة دقائق متواصلة دون أن يقاطعهم إشعار أو رسالة أو فيديو أو رابط جديد. بل إن البعض يفتح الهاتف لإجراء مكالمة ضرورية، ثم يجد نفسه بعد دقائق يتنقل بين التطبيقات المختلفة وقد نسي السبب الأصلي الذي أمسك الهاتف من أجله.
ولا يقتصر الأمر على الطلاب فقط، بل يمتد إلى الموظف والطبيب والمهندس والسائق والعامل ورب الأسرة. الجميع أصبح عرضة لهذا النوع من التشويش الذهني المستمر الذي يستنزف القدرة على الانتباه ويؤثر على جودة الأداء في مختلف جوانب الحياة.
ومن هنا يمكن فهم بعض الحوادث التي تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للتصديق. فحادثة طفل التجمع ليست الأولى من نوعها على مستوى العالم، وقد شهدت دول عديدة حوادث مشابهة راح ضحيتها أطفال تُركوا داخل سيارات مغلقة بسبب النسيان. كما أن العالم يشهد بين الحين والآخر حوادث أخرى ترتبط بالسهو أو فقدان التركيز في لحظات حرجة، رغم وجود أشخاص مدربين ومؤهلين للقيام بمهامهم.
ولعل من الأمثلة الصادمة ما تم تداوله مؤخرًا عن حادثة فتاة شابة في البرازيل فقدت حياتها أثناء ممارسة إحدى الرياضات الخطرة بعد خطأ يتعلق بإجراءات السلامة. مثل هذه الحوادث تفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول مدى تأثير الضغوط الذهنية والتشتت المستمر على أداء البشر حتى في الأعمال التي تتطلب أعلى درجات التركيز.
ومن خلال عملي كطبيب أطفال، ألاحظ أن كثيرًا من الآباء والأمهات يشكون من ضعف التركيز والنسيان والإجهاد الذهني. كما يأتيني بعض الأشخاص طالبين وصف أدوية لتحسين الذاكرة أو زيادة الذكاء أو علاج النسيان، وكأن المشكلة كلها يمكن حلها بحبة دواء.
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من المشكلة لا يحتاج إلى دواء بقدر ما يحتاج إلى تغيير نمط الحياة.
فالعقل البشري يحتاج إلى فترات من الهدوء كما يحتاج الجسد إلى الراحة. يحتاج إلى النوم المنتظم، وإلى الابتعاد أحيانًا عن سيل المعلومات المتدفق بلا توقف. يحتاج إلى القراءة المتأنية بدلًا من الاستهلاك السريع للمحتوى. ويحتاج إلى التركيز على مهمة واحدة في كل مرة بدلًا من محاولة القيام بعشر مهام في وقت واحد.
ولذلك أنصح دائمًا بتخصيص أوقات يومية بعيدًا عن الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي، ولو لفترات محدودة. كما أن العودة إلى القراءة الورقية بين الحين والآخر تساعد على استعادة مهارات التركيز العميق التي بدأت تتراجع لدى كثيرين. والأمر نفسه ينطبق على قراءة القرآن الكريم من المصحف، حيث تمنح القارئ حالة من التركيز والسكينة تختلف كثيرًا عن التصفح السريع عبر الهاتف.
كذلك يظل النوم المبكر والاستيقاظ المبكر من أهم العوامل المؤثرة في صحة الدماغ وكفاءة الذاكرة. فالسهر الطويل والنوم غير المنتظم لا يؤثران فقط على النشاط البدني، بل ينعكسان بشكل مباشر على الانتباه والتركيز واتخاذ القرار.
ومن اللافت أن بعض الدول الأوروبية بدأت خلال السنوات الأخيرة في إعادة تقييم الاعتماد المفرط على الوسائل الإلكترونية داخل المدارس، وعادت بعض المؤسسات التعليمية إلى تعزيز استخدام الورقة والقلم في العملية التعليمية بعد ملاحظة آثار سلبية مرتبطة بالانتباه والتركيز لدى الطلاب.
لا أحد يستطيع أن ينكر فوائد التكنولوجيا أو أهمية التطور الرقمي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل تخدم الإنسان إلى عوامل تسيطر على انتباهه وتستنزف قدرته على التركيز.
إن مأساة طفل التجمع يجب ألا تُقرأ باعتبارها حادثة فردية فقط، بل جرس إنذار يدعونا جميعًا إلى مراجعة علاقتنا بالتكنولوجيا ونمط حياتنا اليومي. فكلما ازدادت المشتتات من حولنا، ازدادت حاجتنا إلى استعادة مهارة أصبحت نادرة في هذا العصر: مهارة التركيز.
ربما تكون هذه المهارة البسيطة هي أحد أهم مفاتيح الأمان والنجاح والصحة النفسية في زمن تتزاحم فيه المؤثرات وتتنافس على عقولنا في كل لحظة.