عاجل

شهدت قاعة إيوارت التاريخية بمركز التحرير الثقافي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حفل تكريم ومنافسات مبادرة "لغتنا الجميلة" لدعم الإبداع الأدبي وتكريم مبدعي القصة القصيرة، وذلك بالتعاون بين كلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية، والمجلس العربي للمسؤولية المجتمعية، والمنطقة الروتارية 2451 (روتاري مصر). والتقت عراقة المكان بروعة الفكرة لتسطر فصلًا جديدًا من فصول إحياء الهوية العربية.
تحت أضواء هذه القاعة التي شهدت على مدار قرن من الزمان محطات ثقافية فارقة، انطلقت احتفالية كبرى اتسمت بالزخم الأدبي والإنساني، وذلك لتكريم المبدعين الصغار الفائزين في مسابقة القصة القصيرة، وإطلاق الجزء الثاني من كتاب قصص طلاب المرحلة الإعدادية، ضمن المبادرة الرائدة "لغتنا الجميلة". لقد تحول الحفل إلى تظاهرة ثقافية حاشدة، ضمت كوكبة من قادة العمل المجتمعي، والأكاديميين، والإعلاميين، وأولياء الأمور الذين جاؤوا ليروا ثمار غرسهم الثقافي يافعًا يخطو أولى خطواته نحو عالم الأدب الرحب، وسط أجواء ملأتها مشاعر الفخر والاعتزاز بلغة الضاد.
 

د. نيفين عبد الخالق.. مايسترو التنسيق والعمل المجتمعي
خلف هذا المشهد التنظيمي المهيب، والدقة البالغة التي سارت بها فقرات الحفل، كانت تقف الدكتورة نيفين عبد الخالق، رئيس لجنة الخدمة المهنية بروتاري مصر، والتي أدارت دفة التنسيق العام والإشراف على المبادرة بكفاءة واقتدار. لم يكن دور د. نيفين مجرد إدارة عابرة، بل كانت المايسترو الذي استطاع ببراعة صياغة حلقة وصل احترافية وتكاملية غير مسبوقة بين المؤسسات الأكاديمية العريقة والمجتمع المدني.
وقد تجلى ذلك في كلمتها المؤثرة خلال الحفل، والتي أكدت فيها أن حماية الهوية الوطنية وتبني عقول النشء هما حجر الزاوية في بناء إنسان مصري قادر على مواجهة تحديات المستقبل، مشيرة إلى أن مبادرة "لغتنا الجميلة" هي رحلة مستمرة لغرس القيم الإيجابية والسلام المجتمعي عبر بوابات الثقافة والفكر.


إسلام كانو.. أنامل تتحدى التوحد وتلهم الإنسانية
ولأن الفن الحقيقي لا يعرف القيود، فقد شهدت الاحتفالية واحدة من أسمى وأكثر الفقرات الإنسانية تأثيرًا، تمثلت في المشاركة الاستثنائية والملهمة للعازف والبيانيست الموهوب الشاب إسلام كانو (من ذوي التوحد). منذ اللحظات الأولى التي سبقت انطلاق الحفل الرسمي، وخلال بروفات الاستقبال، ساد الصمت في أرجاء قاعة إيوارت مع أول ملامسة لأنامل إسلام لمفاتيح البيانو؛ حيث أخذ إسلام الحضور في رحلة نغمية ساحرة، متنقلاً بخفة وإبداع بين روائع الموسيقار الكبير عمر خيرت، ومجموعة من المعزوفات الشرقية والغربية المبهجة التي أضفت طاقة إيجابية عارمة على المكان.
تجاوزت فقرة إسلام كانو حدود العزف الموسيقي لتصبح رسالة حية جسدت فلسفة المبادرة في الدمج والتمكين والشمول؛ حيث وقف الحضور احترامًا وتجليلاً لهذه الموهبة الفذة التي أثبتت بالدليل القاطع أن الإرادة والفن يتفوقان دائمًا على أي تحدٍّ صحي أو اجتماعي، معلنةً ميلاد نجم ملهم في سماء الفن والمقاومة الإنسانية.

 لمسة وفاء وتكريم خاص لـ "كانو سان" وتدافع باقات الزهور امتنانًا لها
دائمًا الأم هي الجيش الحقيقي وراء صناعة البطل، وهنا نجد لـ "أوتار الموسيقى" كأنها كلمات تنطق بهذا الإبداع على يد الفنان الشاب إسلام كانو، لولا وجود يدٍ حانية، وعزيمة حديدية، وقلب أمٍ آمن بالمستحيل. وفي لفتة إنسانية استثنائية حركت مشاعر الحضور، أفردت الاحتفالية مساحة لتكريم "والدة إسلام" (أم كانو سان)، بصفتها الجندي المجهول والحقيقي، والبطلة الأولى التي تقف خلف هذا النجاح المكتمل. إن رحلة "أم كانو سان" مع ابنها لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت معركة يومية طويلة ضد التحديات والصعاب التي يفرضها التوحد. بفضل صبرها الاستثنائي وإيمانها المطلق بموهبة ابنها، استطاعت أن تحول التشخيص من مجرد تحدٍّ طبي وصحي، إلى طاقة إبداعية تجوب أرجاء قاعة إيوارت؛ لقد زرعت في داخله الثقة، وسهرت على تنمية أنامله، حتى جعلت منه بطلًا حقيقيًا يشار إليه بالبنان، ويسهم بفنه في أرقى المحافل الثقافية.
ولم يقتصر دور هذه الأم العظيمة عند حدود بيتها وابنها؛ بل تحولت بمرور السنوات إلى منارة أمل ونموذج ملهم يحتذى به في المجتمع، وأخذت على عاتقها مسؤولية نقل خبرتها ودعم الأمهات اللاتي يمررن بنفس التجربة ويعشن مع أطفال لديهم نفس الحالة (التوحد). أصبحت "كانو سان" بمثابة السند والموجّه، تبث في نفوس الأمهات الأخريات روح العزيمة والتفاؤل، وتعلمهن كيف يكتشفن مكامن القوة والتميز في أبنائهن، مؤكدةً لهن أن التوحد ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية لقصة بطل فريد. إن تكريم "كانو سان" في هذا الحدث الروتاري والأكاديمي الكبير، هو تكريم لـ "الأمومة الواعية والمكافحة" في أسمى صورها، ورسالة شكر من المجتمع للمرأة التي لم تستسلم، فصنعت من التحدي معجزة، ومن ابنها بطلًا يلهم الإنسانية.
 

صناعة جيل قارئ ومبدع
تضافرت في هذه الفعالية جهود العمل التطوعي والأكاديمي والمدني لتحقيق حزمة من الأهداف النبيلة، وجاء السرد البرنامجي للحفل ليعكس رؤية تنموية واضحة هي إطلاق وتكريم الأدباء الصغار، ما يؤكد المقولة المأثورة أن مصر دائمًا ولادة بالمواهب المميزة بجميع المجالات، وشاهدنا ذلك بالفعل من الطلاب المشاركين الذين هم مشروع أدباء وكتاب يمتلكون موهبة فريدة.
وشهد الحفل الإعلان الرسمي والاحتفاء بإطلاق الجزء الثاني من المجموعات القصصية التي صاغتها أقلام طلاب المرحلة الإعدادية، وتم صعود الطلاب الفائزين إلى منصة التكريم لتلقي الدروع والشهادات وسط تصفيق حاد، في خطوة من شأنها زرع الثقة في نفوسهم وتحويل أحلامهم الصغيرة إلى واقع ملموس ومطبوع في كتب تؤرخ لبداياتهم الأدبية.
هذه الأعمال وسيلة لصون الهوية الوطنية واللغوية أيضًا، وسعت الندوة إلى توجيه بوصلة الاهتمام الشبابي نحو اللغة العربية الفصحى، وإبراز مرونتها وجمالياتها البلاغية كأداة للتعبير الإبداعي الرصين، ومواجهة موجات التغريب اللغوي التي تواجه الأجيال الجديدة بهذه المبادرة الرائعة "لغتنا جميلة". كما برز دور الخدمة المهنية المستدامة؛ حيث أكدت الفعالية على الدور المحوري لنوادي الروتاري في تخطي المفهوم التقليدي للمساعدات العينية، والانتقال نحو "التنمية البشرية المستدامة" القائمة على تنمية المهارات الفكرية والمهنية للشباب، وفتح آفاق معرفية جديدة أمامهم.
وانتهت الأمسية بتكريم كافة الرموز والشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذا العمل الوطني، وسط وعود وتوصيات من القائمين على المنصة باستمرار العمل على تطوير مبادرة "لغتنا الجميلة"، لتمتد إلى قطاعات وأقاليم أوسع في ربوع مصر، حمايةً للمستقبل، واستثمارًا في عقول أبنائه.
 

تم نسخ الرابط