علماء الأزهر يكشفون الفارق بين التمويل المشروع والربا المحرم شرعًا
في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية على الأسر، وتتسع دائرة الاحتياج إلى التمويل لتغطية نفقات المعيشة أو العلاج أو التعليم أو حتى إقامة المشروعات الصغيرة، أصبحت شركات التمويل والقروض لاعبًا رئيسيًا في السوق المالية.
وبينما تروج هذه الشركات لمنتجاتها باعتبارها حلولًا سريعة للأزمات المالية، تسأل علماء الأزهر الشريف، خلال حديثهم مع "نيوز رووم" حول طبيعة بعض هذه المعاملات، وحدود التفرقة بين التمويل المشروع والربا المحرم.
وأكد الدكتور عبد رب الرسول محمد، الأستاذ بقسم التربية الإسلامية بكلية التربية جامعة الأزهر، أن الإسلام لم يحرم التجارة أو الاستثمار أو تحقيق الأرباح، بل شجع على تنمية المال وتحريك عجلة الاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه وضع ضوابط واضحة تمنع استغلال حاجة الإنسان أو تحويل أزماته المعيشية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب غير عادلة.
الربا.. تحريم قاطع في القرآن والسنة
وأشار الأستاذ بجامعة الأزهر إلى أن تحريم الربا جاء في القرآن الكريم بصورة واضحة وصريحة، حيث قال الله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا"، كما حذر سبحانه من عواقبه بقوله: "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله".
وأكد الأستاذ بجامعة الأزهر أن شدة النصوص الواردة في تحريم الربا تعكس خطورته على المجتمع والاقتصاد، لأنه يقوم على تحقيق الربح دون تحمل مخاطرة حقيقية، ويؤدي إلى انتقال الأموال من الفقراء والمحتاجين إلى أصحاب رؤوس الأموال، بما يوسع الفجوة الاجتماعية ويزيد من معاناة الفئات الأضعف.
متى يصبح التمويل ربا؟
من جانبه لفت الشيخ أحمد الشريف من علماء الأزهر، أن المسألة لا تتعلق بمسميات العقود أو الأسماء التجارية المستخدمة، وإنما بحقيقة المعاملة نفسها.
وقال إذا حصل شخص على مبلغ مالي على أن يرد مبلغًا أكبر منه بسبب مرور الزمن فقط، فإن هذه الزيادة تعد من الربا المحرم وفق ما استقر عليه جمهور العلماء.
وأكد العالم الأزهري أن التمويل المشروع يقوم على وجود سلعة أو خدمة أو شراكة أو استثمار حقيقي، بينما يتحقق الربا عندما تكون الزيادة المالية مرتبطة بالقرض ذاته دون وجود نشاط اقتصادي حقيقي يبررها.
كما شدد على ضرورة دراسة تفاصيل العقود وعدم الاكتفاء بالإعلانات التسويقية أو الأسماء الجذابة التي قد تخفي وراءها معاملات تختلف في حقيقتها عن صورتها الظاهرة.
في سياق متصل أكد الدكتور محمد المتبولي أستاذ الاقتصاد الإسلامي جامعة الأزهر الشريف، أن منح القروض لأشخاص يعانون أصلًا من ضائقة مالية حادة دون التأكد من قدرتهم على السداد، قد يؤدي إلى تفاقم أزماتهم المالية والاجتماعية.
ولفت إلى أن مسؤولية المؤسسات التمويلية لا تتوقف عند توقيع العقد والحصول على الضمانات القانونية، بل تمتد إلى التأكد من أن العميل قادر فعليًا على الوفاء بالتزاماته المالية مستقبلًا.
وأوضح أن منح التمويل لمن لا يملك مصدر دخل كافيًا أو قدرة حقيقية على السداد قد يؤدي إلى تعثره ثم ملاحقته قضائيًا، وهو ما يخلق أزمات اجتماعية وأسرية تتجاوز البعد المالي البحت.
وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية الإنسان وصون كرامته، وليس لدفعه إلى دوامة من الديون تنتهي بتفكك الأسرة أو السجن أو فقدان مصدر الرزق.
وأكد أن المجتمع والدولة والمؤسسات المالية مطالبون بالبحث عن آليات أكثر عدالة لمساعدة المتعثرين بدلًا من الاكتفاء بالإجراءات العقابية.
الفرق بين التمويل المشروع والتمويل المحرم
وبين أن هناك صيغًا تمويلية معتمدة شرعًا مثل المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة، وهي صيغ تقوم على بيع حقيقي أو مشاركة فعلية في الربح والخسارة.
أما القروض التي تفرض زيادات مالية محددة سلفًا مقابل الزمن فقط، فيرى جمهور العلماء أنها تدخل ضمن دائرة الربا المحرم مهما اختلفت المسميات.
وأشار إلى أن العبرة في النهاية ليست باسم المنتج المالي، وإنما بطبيعة العلاقة التعاقدية بين الطرفين وكيفية تحقيق الربح.
ومع التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل، دعا علماء الأزهر إلى تشديد الرقابة على الممارسات التي قد تؤدي إلى استغلال احتياجات المواطنين، خاصة محدودي الدخل.
كما طالب علماء الأزهر بضرورة نشر الوعي المالي والشرعي بين المواطنين، حتى يتمكنوا من فهم التزاماتهم قبل التوقيع على أي عقد، وتقدير قدرتهم الحقيقية على السداد بعيدًا عن ضغوط الحاجة أو الإعلانات المغرية.







