في مشهد يعكس تحولاً عميقاً في موازين القوى الإقليمية، تجلت مكانة مصر الدولية بشكل لافت خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة في منتجع إيفيان الفرنسي، حيث حظي الرئيس عبد الفتاح السيسي باستقبال يعكس اعترافاً صريحاً بالدور المحوري الذي باتت تلعبه القاهرة في رسم ملامح الاستقرار الإقليمي. هذا الحضور المصري، الذي يأتي كثاني مشاركة من نوعها بعد قمة 2019 بجنوب غرب فرنسا، لم يكن وليد الصدفة، بل تتويجاً لمسار دبلوماسي دؤوب قاده الرئيس السيسي منذ توليه الحكم، وأعاد لمصر مكانتها كركيزة أساسية للأمن الجماعي في المنطقة.
من قيادة إفريقية إلى شراكة استراتيجية عالمية
قبل سبع سنوات، كان الرئيس السيسي يحضر قمة مجموعة السبع بصفته رئيساً للاتحاد الإفريقي، حاملاً رسالة تحذيرية واضحة حول تداعيات الإهمال الدولي لأزمات القارة السمراء. كان تحذيره يومها مركزاً حول ما وصفه بـ"أمن غذائي وأمن بشري" وليس مجرد أمن عسكري، محذراً من أن موجات الفقر والجفاف قد تدفع الشباب الإفريقي نحو الهجرة غير الشرعية والانخراط في شبكات الجريمة المنظمة.
واليوم، يبدو أن تلك التحذيرات كانت نبوءة واقعية، إذ تحققت الأزمات التي تحدث عنها الرئيس المصري، بدءاً من انفجار الأوضاع في قطاع غزة، مروراً بتصاعد التوتر مع إيران، ووصولاً إلى تزايد مشاعر العداء تجاه الغرب في المنطقة، وهو ما يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبارات صعبة في كيفية إدارة تعاطفها مع إسرائيل دون التضحية بمصالحها الاستراتيجية في العالم العربي.
التحول الفرنسي: عندما أصبحت رؤية القاهرة مرجعية
اللافت في هذه القمة هو التحول الملحوظ في الموقف الفرنسي الرسمي، والذي لم يعد يكتفي بالدعم اللفظي للقضية الفلسطينية، بل تحول إلى مواقف أكثر جرأة تعكس ثقة الرئيس إيمانويل ماكرون العميقة في نظيره المصري. هذه الثقة لم تأت من فراغ، بل نتاج سنوات من التنسيق المكثف بين البلدين في ملفات ساخنة، من ليبيا إلى السودان، ومن أزمة غزة إلى الملف الإيراني.
وتعكس التقارير الصحفية الفرنسية الصادرة خلال القمة وأعداد المجلات المتخصصة إدراكاً باريسياً متزايداً بأن مصر لم تعد مجرد شريك جنوبي تقليدي، بل شريك استراتيجي لا غنى عنه في معادلات البحر المتوسط والشرق الأوسط بأكمله.
الموقف المصري من غزة: رسائل واضحة للعالم
لكن الحدث الأبرز خلال القمة كان كلمة الرئيس السيسي التي وجهها لإسرائيل، داعياً إياها إلى التخلي عن خطة السيطرة على 70% من أراضي قطاع غزة، في موقف يعكس حدة الموقف المصري وتعاظم الثقة به دولياً.
ونقلت وسائل الإعلام الفرنسية عن الرئيس المصري قوله خلال جلسة حول استقرار الشرق الأوسط: "لم يتبق سوى 30% من قطاع غزة تحت سيطرة الشعب الفلسطيني"، مضيفاً أن هذا النهج يجب أن "يتوقف فوراً".
الرقم الذي أورده الرئيس المصري، القائم على المعطيات الميدانية للسيطرة الإسرائيلية التي بدأت بـ 50% ثم تدرجت إلى 60% وتسعى حالياً إلى 70%، يشكل إدانة واضحة لسياسة الأمر الواقع التي تتبعها إسرائيل، في انتهاك صارخ لبنود وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي.
حل الدولتين والخطة الأمريكية: محور التوافق الدولي
وركز الرئيس السيسي في كلمته على ثلاثة محاور رئيسية:
لا بديل عن حل الدولتين كضمانة لأي تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية.
ضرورة تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة، في إشارة واضحة إلى انفتاح القاهرة على مبادرة أمريكية تبحث عن أرضية عملية لإنهاء الصراع.
رفض أي احتلال لجنوب لبنان، داعياً إلى وقف العمليات العسكرية هناك وضمان وقف إطلاق نار فوري وقوي.
اللافت هنا أن الموقف المصري لم يقتصر على الجانب الفلسطيني، بل امتد ليشمل جبهة لبنان، مما يعكس رؤية مصرية شاملة لأمن المنطقة لا تقتصر على غزة بل تشمل كل جبهات الصراع.
تأكيد فرنسي: حل الدولتين هو الأفق الوحيد
تأتي هذه المواقف لتؤكد ما وثقته سفارة فرنسا بالقاهرة على صفحتها الرسمية على منصة "إكس"، حيث كتبت:
"عام من الأنشطة السياسية والإنسانية الملموسة منذ نداء باريس في ١٣ يونيو ٢٠٢٥. في الوقت الذي يزداد فيه الموقف تفاقماً في الشرق الأوسط، يظل وقف إطلاق النار في غزة هشاً. وتتزايد وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية... تواصل فرنسا حشد جهودها مع شركائها من أجل خلق أفق للسلام مبني على حل الدولتين."
هذا البيان، الذي صدر قبل أيام من القمة، يعكس تزامناً فرنسياً مصرياً نادراً في الصياغة والمضمون، ويؤكد أن باريس لم تعد تنظر إلى القاهرة كوسيط تقليدي، بل كشريك في صياغة الرؤية الاستراتيجية للمنطقة بأكملها.
مصر تعود: ليس فقط باحترام، بل بقيادة
المشهد الختامي للقمة كان مفعماً بالدلالات: الرئيس المصري وهو يستقبل من قبل قادة العالم، ليس كضيف شرف، بل كفاعل أساسي في كل الملفات التي تم بحثها. ما ظهر في قمة إيفيان ليس مجرد احترام دبلوماسي، بل اعتراف بأن الرؤية المصرية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أي حل مستقبلي لأزمات المنطقة.
مصر أصبحت اليوم شريكاً في صياغتها، وأحد حراس التوازن الإقليمي. وهذه العودة إلى الواجهة، ليست مجرد نجاح دبلوماسي، بل هي ثمرة سياسة قامت على الحكمة، والثبات، والانفتاح الواعي على كل الأطراف الدولية.
شمس مصر الذهبية تسطع مجدداً
بفضل سياسة خارجية متزنة ورؤية استراتيجية واضحة، استطاعت مصر أن تستعيد مكانتها كقطب أساسي في النظام الإقليمي والدولي. الرئيس السيسي، من خلال حضوره المؤثر في قمم العالم الكبرى، لم يؤكد فقط على أهمية دور مصر، بل أثبت أيضاً أن استقرار الشرق الأوسط يمر عبر القاهرة، وأن أي معادلة سلام في المنطقة لا تكتمل دون الصوت المصري.