لمواجهة شح المياه.. شاب تونسي يؤسس مشروعا مبتكرا للزراعة دون تربة
في وقت تواجه فيه تونس تحديات متزايدة بسبب التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية، اختار الشاب التونسي إسكندر قاسم أن يغير مساره المهني بالكامل، تاركا عالم المالية والتجارة الدولية، ليدخل مجال الزراعة الحديثة بحثا عن حلول مبتكرة تساهم في تعزيز الأمن الغذائي ومواجهة أزمة المياه التي تتفاقم عاما بعد عام.
وبعد سنوات من العمل في قطاع المال والأعمال، أسس قاسم شركة متخصصة في الزراعة المائية، وهي تقنية تعتمد على إنتاج المحاصيل دون استخدام التربة، مع التحكم الدقيق في كميات المياه والعناصر الغذائية التي تحتاجها النباتات، بما يضمن تقليص استهلاك المياه ورفع الإنتاجية.
وقال قاسم إن رحلته في هذا المجال بدأت قبل سبع سنوات، حيث خصص العامين الأولين للبحث والتجريب بهدف تطوير نموذج زراعي يتلاءم مع الظروف المناخية في تونس، موضحا أن المشروع تطور تدريجيا من تجربة ناشئة إلى منظومة متكاملة تقدم خدمات المرافقة الفنية والاستشارات للراغبين في الاستثمار في هذا القطاع.
وأوضح أن شركته لا تقتصر على إنشاء مشاريع الزراعة المائية، بل تواكب المستثمرين والفلاحين في مختلف مراحل العمل، من التصميم والتجهيز إلى التدريب والإنتاج والتسويق، بما في ذلك المساعدة على النفاذ إلى الأسواق المحلية والخارجية.
ويرى قاسم أن الزراعة المائية أصبحت ضرورة أكثر من كونها خيارا تقنيا، في ظل تفاقم أزمة المياه وتأثير التغيرات المناخية على القطاع الزراعي. وأشار إلى أن بعض الزراعات التقليدية تستهلك كميات كبيرة من المياه، لافتا إلى أن إنتاج كيلوغرام واحد من الطماطم يحتاج إلى نحو 200 لتر من الماء، وهو ما يجعل البحث عن بدائل أكثر كفاءة أمرا ملحا.
وأكد أن الزراعة المائية تتيح إعادة تدوير المياه والتحكم في احتياجات النباتات بدقة، ما يؤدي إلى خفض الاستهلاك المائي بشكل كبير وتحسين جودة الإنتاج الزراعي، معتبرا أن هذه التقنيات تمثل أحد الحلول الواعدة لتعزيز استدامة القطاع الزراعي في تونس.

صعوبات واجهت المشروع
ورغم التحديات التي واجهها المشروع في بداياته، ومنها غياب إطار تنظيمي واضح للزراعات المائية وضعف الوعي بهذا النمط الزراعي، تمكن قاسم من تجاوز العقبات بفضل مواصلة البحث والتطوير، إلى جانب تنامي اهتمام المستثمرين والدعم الذي بدأت تقدمه الدولة لهذا القطاع من خلال برامج التحفيز والمنح.
وأشار إلى أن أولى التجارب انطلقت داخل محطة التجارب النموذجية التابعة لمحضنة المؤسسات الفلاحية بالمعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل مختلف المحافظات التونسية.
وأضاف أن عدد المشاريع التي تم تنفيذها بلغ حاليا 72 مشروعا موزعة على عدة مناطق من البلاد، وتنتج أصنافا متنوعة من المحاصيل، من بينها الطماطم والفلفل والخضروات الورقية، في تجربة تسعى إلى تقديم نموذج جديد للزراعة يعتمد على التكنولوجيا وحسن إدارة الموارد الطبيعية.

أهدافه ورسالة للشباب التونسي
وأكد قاسم أن هدفه لا يقتصر على تحقيق النجاح الاقتصادي، بل يرتبط بالمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لمعضلة شح المياه وضمان الأمن الغذائي للأجيال القادمة، مشددا على أهمية الاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة لمواجهة التحديات المناخية المتزايدة.
وفي رسالة وجهها إلى الشباب التونسي، دعا قاسم إلى التمسك بالأحلام وعدم الاستسلام للعقبات، مؤكدا أن النجاح يتطلب الإصرار والعمل المستمر، وأن الأفكار المبتكرة قادرة على التحول إلى مشاريع ناجحة إذا ما توفرت الإرادة والرؤية الواضحة.

وتعكس تجربة إسكندر قاسم توجهاً متنامياً نحو اعتماد الحلول التكنولوجية في القطاع الزراعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير التغيرات المناخية على الأمن الغذائي والموارد المائية، ما يجعل الزراعة المائية إحدى الخيارات المطروحة بقوة لمستقبل الزراعة في تونس.



