عاجل

بعيدًا عن التحليل الفني لمباراة مصر ونيوزيلندا، التي انتهت بفوز منتخب مصر بثلاثة أهداف لهدف، فالحقيقة أن المباراة بالنسبة لي كان لها تحليل آخر أكثر إثارة، يتعلق بفكرة كلام الناس وكيفية التعامل معه.
زمان كنا نسمع سلطان الطرب وهو يقول: “كلام الناس لا بيقدم ولا بيأخر؟”، وكنا نردد معه أن كلام الناس لا بيقدم ولا بيأخر، وأن آخره مثل حكاية الرجل والحمار والبحر. لكن يبدو أن الموضوع تطور كثيرًا في عصر السوشيال ميديا، وأصبح يستحق دراسة علمية مستقلة.
فمن خلال متابعتي للفيسبوك قبل المباراة، لاحظت أن هناك عددًا من الأشخاص، بعضهم خبراء رياضة وبعضهم خبراء في كل شيء، كتبوا رؤيتهم للمباراة بالتفصيل. هذا يقترح التشكيل المناسب، وذاك يشرح الخطة المثالية، وثالث يؤكد أن حسام حسن إذا لم يفعل كذا وكذا أمام نيوزيلندا فسوف تحدث الكارثة الكروية الكبرى.

وبدأت المباراة.

ومع أول هدف دخل مرمى مصر، تحولت هذه الصفحات إلى غرف عمليات عاجلة.
بدأت المنشورات تتوالى: حسام حسن غير موفق. حسام حسن أخطأ التشكيل. حسام حسن لو كان استمع إلى الرؤية التي طرحناها قبل المباراة لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. ثم دخلنا في مرحلة أكثر عمقًا، فبدأ الحديث عن اللعب القصير واللعب الطويل والضغط العالي والضغط المنخفض، حتى خُيل إليَّ أن بيب جوارديولا نفسه يكتب التعليقات من حسابات مستعارة.

انتهى الشوط الأول.

وجاءت استراحة ما بين الشوطين.
وهنا ارتفعت وتيرة الثقة بالنفس بشكل لافت.

نفس الأشخاص بدأوا يؤكدون أن المدير الفني فاشل. وأنه لا يمتلك رؤية. وأنه عنيد. وأنه لا يسمع النصائح. وأنه لا يستفيد من الخبرات الموجودة على الفيسبوك. وأن مستقبله الكروي انتهى قبل أن يبدأ الشوط الثاني أصلًا.

ثم بدأ الشوط الثاني.

وفجأة سجلت مصر هدفًا.

فحدث شيء غريب.

سادت حالة من الصمت المؤقت.

ثم جاء الهدف الثاني.

فبدأت بعض الآراء في إجراء تعديلات فنية على نفسها.

ثم جاء الهدف الثالث.

وهنا وقعت المعجزة.

نفس الأشخاص.

ونفس الحسابات.

ونفس الصور الشخصية.

الذين كانوا قبل أقل من ساعة يتحدثون عن فشل العميد، تحولوا إلى أكبر الداعمين له.

أصبحنا نقرأ: يلا يا رجالة.

مبروك لمصر.

تحية للكابتن حسام حسن.

المنتخب يسير في الطريق الصحيح.

أداء رائع.

فكر تدريبي مميز.

وبدأت أشعر أنني ربما كنت أتابع أشخاصًا آخرين في الشوط الأول دون أن أدري.

في النهاية، أعطتني المباراة درسًا أهم من النتيجة نفسها.

وهو أنك إذا قررت أن تعيش وفقًا لكلام الناس فلن تنجز شيئًا.

لأن الناس قد تهاجمك في الدقيقة العاشرة، وتمدحك في الدقيقة السبعين، وتمنحك لقب الفاشل بين الشوطين، ثم تمنحك لقب العبقري بعد نهاية المباراة.

ولذلك ربما كان الوحيدون الذين استمروا في الإيمان بحسام حسن طوال المباراة هم الموجودون داخل الملعب أنفسهم.

أما خارج الملعب، فكانت هناك مباراة أخرى تدور على الفيسبوك، انتهت هي الأخرى بثلاثة أهداف مقابل لا شيء… لكن هذه المرة في مرمى الذاكرة القصيرة.

وفي كل الأحوال…

مبروك للكابتن حسام حسن.

ومبروك لمنتخب مصر.

ومبروك للجماهير المصرية فرحة الفوز.

أما كلام الناس… فما زال حتى الآن يبحث عن نتيجة الشوط الثاني.

تم نسخ الرابط