بداية، ماذا نعني بالوطنية والانتماء؟ الوطنية هي شعور عاطفي وأخلاقي يربط الفرد بوطنه، يدفعه للدفاع عنه، والعمل لصالحه، والاعتزاز بهويته وتاريخه؛ فهي ليست مجرد شعارات بل سلوك يومي.
هل لاحظت أن كلمات مثل "الوطن" و"الانتماء" لم تعد تلمع في عيون كثير من الشباب كما كانت في أحاديث آبائهم؟ هذا ليس جحودًا ولا قلة أصل كما يُختزل أحيانًا، بل الحقيقة أعقد وأعمق، وتستحق أن نناقشها بكل صراحة.
الوطنية ليست أغنية نرددها في الطابور الصباحي، ولا علمًا نرفعه في المناسبات فقط، بل هي شعور داخلي بأن مصيرك الشخصي مرتبط بمصير الأرض والناس من حولك. هي الدافع الذي يجعلك تحافظ على شارعك لأنه بيتك الكبير، وتتقن عملك لأن نجاحك جزء من نجاح بلدك.
أما الانتماء فهو الوجه الآخر للعملة؛ إحساس بأن هذا الوطن يراك، يحتويك، ويعطيك فرصة عادلة. فلا يمكن أن تطلب من شاب أن ينتمي لمكان يشعر فيه أنه غريب أو مهمّش.
والسؤال الآن: لماذا بدأت الفجوة تتسع مع الجيل الجديد؟
الأسباب عديدة؛ منها صدمة الواقع، فالشاب يدرس في كتب التربية الوطنية عن التضحية والبناء، ثم يصطدم ببيروقراطية، أو واسطة، أو بطالة. هذا التناقض يولد سؤالاً موجعًا: لماذا أنتمي؟
الأمر الثاني هو الوضع الاقتصادي الضاغط؛ فعندما يصبح الحلم الأساسي هو وظيفة وسكن، ويصبح بعيد المنال، يتحول الانتماء إلى ترف نفسي. كيف تطالب شابًا بحب مكان لم يمنحه الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي؟
وفي عالم بلا حدود الآن، هناك جيل اليوم يفتح هاتفه فيرى شبابًا في دول أخرى يعيشون فرصًا مختلفة، فصار لديه انتماءات رقمية تتجاوز الجغرافيا، وهذا يضعف الرابط المحلي إن لم يكن قويًا بالفعل.
بالإضافة إلى عنصر مهم للغاية وهو غياب وافتقاد القدوة؛ فأين النموذج الذي يقنع الشاب أن النجاح ممكن هنا؟ عندما تختفي القصص الملهمة من الواقع ويحل مكانها خطاب نمطي، وبالتالي يبحث الشاب عن قدوته في مكان آخر.
أما عن الإحباط فحدث ولا حرج؛ فكثير من الشباب جربوا أن يشاركوا أو يعبروا عن رأيهم وشعروا أن لا أحد يسمع، والنتيجة الطبيعية هي الانسحاب والصمت.
الشباب لم يفقدوا القيم، هم فقط جيل واقعي جدًا، يريد دليلًا ملموسًا أن انتماءه له معنى ولن يُستغل.
إذن، كيف نعيد بناء الجسر؟
الحل لا يكمن في المزيد من الشعارات، بل في تغيير المعادلة من أساسها؛ فالوطنية مقابل الفرصة، ولا تطلب من الشاب أن يضحي قبل أن تعطيه ما يستحق التضحية لأجله. كل مشروع صغير يُمول، كل تدريب ينتهي بوظيفة، كل فكرة شابة تجد من يدعمها، هي رسالة انتماء غير مباشرة لكنها الأقوى.
وبالضرورة لا بد أن يكون هناك خطاب جديد بلغة جديدة؛ ودعونا نعترف أن لغة الأربعينيات لم تعد تقنع مواليد الألفينات. اربطوا الوطنية بإنجاز رائد أعمال مصري وصل للعالمية، بمخرج شاب فاز بجائزة، بطبيبة اخترعت حلاً. اجعلوا الانتماء "ترند" منتجًا لا واجبًا ثقيلاً.
أيضًا لا بد من التحول من التلقين إلى الشراكة؛ فبدلاً من تحفيظ الشباب نصوصًا عن حب الوطن، فلنعطهم نموذجًا حيًا ليطوروه ويشاركوا في تنفيذه: مشكلة بيئية ليشاركوا في حلها، أو في برلمان شباب قراراته تُحترم. الإنسان ينتمي لما يصنعه بيده، فلنضع الشباب في موضع المسؤولية ثم نرى النتيجة.
أيضًا الشباب يحتاج إلى فن يحكي عنه وعنا؛ فنحن نحتاج دراما، وسينما، وبودكاست تحكي قصص نجاح حقيقية من شوارعنا. البطل الخارق الذي يحتاجه الشباب اليوم هو المهندس الذي رفض السفر ليبني مصنعًا، والمعلمة التي غيرت مدرسة حيها.
ورسالة أخيرة للشباب قبل الكبار: الانتماء ليس طريقًا باتجاه واحد، ومن حقك أن تسأل وتغضب وتطالب، لكن الوطنية الحقيقية تبدأ عندما تقرر أن تكون أنت التغيير الذي تريده؛ الطبيب الذي لا يغش، والموظف الذي لا يرتشي، والطالب الذي لا يغش، هؤلاء يبنون وطنًا حتى لو لم يصعدوا على المنابر.
الجيل الجديد لا يريد وطنية معلبة، بل يريد وطنية تحترم عقله، وتقدر جهده، وتعطيه سببًا ليبقى ويحلم ويبني، ومهمتنا أن نوفر هذا السبب لا أن نلومه على غيابه.
فالوطن في النهاية ليس مجرد جغرافيا على الخريطة؛ الوطن هو الناس، والفرص، والكرامة، وعندما تتوفر الثلاثة لن نحتاج أن نعلم أحدًا معنى الانتماء.
الخلاصة أن الشباب لم "يفقدوا" القيم فجأة، بل هم جيل شديد الوعي والواقعية، وعندما لا يجد مقابلًا ملموسًا لانتمائه يبحث عن انتماءات بديلة: النادي، الشركة، الإنترنت، أو الهجرة.
وعلى الجانب الآخر، هناك مسؤولية الشاب نفسه؛ فدورك أنت كشاب لا بد أن يكون إيجابيًا، فالوطنية ليست طابور انتظار بل هي طريق باتجاهين؛ جزء يخص الدولة والمجتمع وهو ما تحدثنا عنه، ولكن الجزء الآخر لا يقل أهمية عنه، ويتلخص في سؤال واحد هو الأهم: "ماذا قدمت أنا؟"
المطلوب من الشباب إتقان العمل؛ فالطبيب المخلص، والمهندس الأمين، والمعلم الملهم هم أكثر وطنية من ألف خطاب. حافظ على بلدك فلا ترمي قمامة ولا تخرب مرافق، وأبلغ عن الفساد؛ هذه أصغر وأكبر أشكال الوطنية. شارك وانتقد بإيجابية، فالاختلاف مع سياسة الدولة لا يعني كراهية الوطن، بل بالعكس؛ النقد الذي يهدف إلى الإصلاح هو أعلى درجات الانتماء.
باختصار، الجيل الجديد لم يفقد الوطنية لكنه يرفض النسخة القديمة منها، ويريد وطنية قائمة على الكرامة، والفرصة، والاحترام المتبادل. إذا أردنا تعزيزها علينا أن ننتقل من "ماذا يريد الوطن مني" إلى "ماذا أريد أنا والوطن من بعضنا".