«عم رجب» يفتح خزائن الذكريات.. أسرار من حياة العندليب عبد الحليم حافظ
بين أزقة مدينة الزقازيق العريقة، يقف محل "عم رجب" شاهدًا على بدايات زمن الفن الجميل، كأقدم محل لكيّ الملابس في المدينة.. ففى شارع الحمام بمدينة الزقازيق، تفوح رائحة الماضي والذكريات التى نسجت أولى خيوط حكاية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ قبل أن يعرف طريقه إلى أضواء الشهرة والنجومية.
التقينا بالحاج عبد الفتاح رجب، نجل المكوجي الراحل، لينفرد بسرد كواليس وتفاصيل إنسانية غاية في الخصوصية عن حياة العندليب في مسقط رأسه بالشرقية.
من الشغف بـ "الراديو فيليبس" إلى دراجة الحب الأول
يسترجع الحاج عبد الفتاح رجب شريط ذكريات الطفولة والصبا للفنان الراحل، قائلًا: "لم يكن المحل بهذا الهدوء سابقًا، بل كان يعج بالعمال والحركة ولا يخلو من الزبائن أبدًا فبعد رحيل والد عبد الحليم ووالدته، انتقل برفقة إخوته ليعيشوا في كنف خالهم بالزقازيق، وكان شغفه بالموسيقى والفن ملموسا وواضحا
وعن السر وراء ارتباط حليم بالمحل منذ صغره، يوضح عبد الفتاح "كان عبد الحليم يتردد علينا خصيصًا للاستماع إلى الراديو؛ إذ كان والدي الحاج رجب يمتلك جهاز راديو من نوع 'فيليبس'، وهو مقتنى نادر وثمين في تلك الحقبة لم يكن يحوزه إلا القلة من ميسوري الحال.
وتابع .. كان الطفل عبد الحليم يجلس لساعات مترقبًا بشغف بث أغنيات موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم، وينصت إليها بتركيز وتأثر شديدين".
ولم يخلُ صبا العندليب في أروقة الزقازيق من نبضات الحب الأولى، حيث يضيف عبد الفتاح: "تعلق قلب عبد الحليم في صباه بفتاة كانت تسكن في محيط منزل خاله والمحل، وكان يقضي وقتًا طويلًا يتجول بدراجته حول بيتها لعلّه يلمحها. ورغم المحاولات الكثيرة لمعرفة هويتها، كان والدي الحاج رجب يرفض بشدة الإفصاح عن اسمها أو اسم عائلتها، معتبرًا ذلك سرًا أمانةً بينه وبين العندليب، ولم يرضَ بالبوح به طيلة حياته".
إيثار شقيقه وبدلة اختبار الإذاعة
وعن الدعم الأسري الذي حظي به العندليب، أشار عبد الفتاح إلى الموقف النبيل لشقيقه الأكبر: "كان لشقيقه الأكبر إسماعيل شبانة صوتًا يفوق صوت عبد الحليم عذوبة وجمالًا، وكانت له آنذاك أغنية واسعة الشهرة في الإذاعة بعنوان 'أكتر تلاتة بحبهم'. ورغم ذلك، طغى حب إسماعيل لشقيقه الأصغر على طموحه الشخصي، فآثر دعم عبد الحليم وقدمه للوسط الفني، وسخّر جهده لإبراز موهبته حتى سطع نجمه كعندليب للغناء العربي".
وينتقل عبد الفتاح بذاكرته إلى ركن خاص داخل المحل، مشيرًا بيده: "هنا تمامًا، كان عبد الحليم يقف متكئًا على هذا الركن الخشبي، بانتظار أن ينتهي والدي من كيّ بدلته. ولكي يهون على والدي مشقة العمل والوقوف، كان يغني له طوال فترة الكيّ. وفي اليوم الذي تقرر فيه ذهابه لإجراء اختبارات الإذاعة، أحضر بدلته إلى هنا، وقف في ذات البقعة متكئًا على الخشب، وتغنى لوالدي بأغنية 'يا رايحين الغورية' للفنان محمد قنديل".
وأكد عبد الفتاح أنه وشقيقه ما زالا يستمسكان بالدكة الخشبية التي كان يجلس عليها العندليب، مبيّنًا أن والدهما حافظ عليها كأثر غالٍ لسنوات طويلة، وأنهما يرفضان تمامًا الاستغناء عنها أو بيعها مهما كانت الإغراءات المادية.
حكاية الـ 100 صورة ودحض إشاعة الموت
وعلى بُعد خطوات من مدخل المحل الذي تتزين جدرانه بلوحات لعم رجب وصور العندليب، توقف بنا عبد الفتاح عند صورة ذات طابع خاص، ليروي قصتها المؤثرة: "هذه الصورة تحمل ذكرى لا تُنسى؛ ففي أحد الأيام، سرت في مصر إشاعة قوية ومفجعة تفيد بوفاة العندليب. وتحت وطأة الصدمة والقلق، غادر والدي الحاج رجب الزقازيق على الفور متوجهًا إلى منزل عبد الحليم بالقاهرة. وحين فتح له العندليب الباب ورأى في عينيه علامات الرعب واللهفة، ابتسم مهدئًا من روعه وقال: 'أنا أعلم ما جاء بك يا عم رجب.. اطمئن أنا بخير وكل ما قيل مجرد إشاعة'".
ويستطرد عبد الفتاح متأثرًا: انفجر والدي بالبكاء الشديد من فرط الارتياح، وظل يشكر الله على سلامته، ثم قضيا معًا وقتًا طويلًا وتناولا الغداء. وقبل المغادرة، ولعلم العندليب أن أهالي المنطقة بالزقازيق سيتوافدون على المحل للتأكد من الخبر، أهدى والدي 100 صورة شخصية له وقال له: 'وزعها على كل الحبايب يا عم رجب حتى يطمئنوا'. وبالفعل، احتفظ والدي بصورة منها علقها في صدر المحل، وأهدى البقية لكل من جاء يسأل بقلب محب عن صحة العندليب".