عاجل

يمثل الصدام الأمريكي الإيراني الحالي دائرة ابتزاز مغلقة؛ الولايات المتحدة تبتز دول الخليج لحمايتها من خطر إيران، وإيران تبتز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والخليج والعالم كله بسبب مضيق هرمز، في حين تستمر إسرائيل في ابتزاز ترامب بضغوط اللوبي الصهيوني وقضايا ابستين. ويستمر مسلسل الابتزاز على الرغم من محاولة كسره بورقة تفاهمات أمريكية إيرانية يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلغاءها بكل الطرق، فقط لإنقاذ نفسه وحكومته المتطرفة من السجن بسبب قضايا الفساد، وفي تلك الأثناء يزداد عدد الضحايا من اللبنانيين الأبرياء.
والأمر الذي يدعو للسخرية أن ترامب يحاول جاهدًا إدخال مصر في دائرة الابتزاز الملعونة عن طريق التلويح مجددًا بورقة السد الإثيوبي وأنه يستطيع حلها لكي تقدم مصر المقابل، ولكن مصر لم تقع في فخ إلهائها واستطاعت الهروب منه بذكاء؛ فقد حاولت إسرائيل ومن يعملون لصالحها محاصرة مصر وإشعال الحرائق في ليبيا والسودان وإنشاء السد الإثيوبي للضغط عليها في مقابل أن تنهي مواقفها المتضامنة مع القضية الفلسطينية وتوافق على تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وهي خطة صهيونية قديمة وتم طرحها صراحة على الرئيس الراحل حسني مبارك والذي رفضها بكل قوة، وأيضًا رفضها السيسي بكل ذكاء وحسم.
ومن المتوقع أن تستمر دائرة الابتزاز الأمريكي الإسرائيلي الخليجي الإيراني لبعض من الوقت، ويبقى السؤال: وماذا بعد؟ خاصة بعد أن تضاربت المصالح الأمريكية الإسرائيلية؛ فإسرائيل تريد تكرار نموذج العراق وإنهاء أي خطر من إيران وتقسيمها وسقوطها تمامًا، ولكن أمريكا تريد فقط إضعاف إيران وليس سقوطها، مع بقائها فزاعة ضد الخليج استمرارًا لمسلسل الابتزاز حتى يستمر الخليج في دفع أموال لحمايته وشراء أسلحة من مصانع الأسلحة الأمريكية، وهي أسلحة تظل مخزنة بدون استخدام غالبًا؛ لأن الخليج تصور خطأً أن أمريكا ستحميه بشكل كامل عن طريق قواعدها المتمركزة في الأراضي الخليجية، إلا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أثبتت عدم صحة هذه النظرية ولو جزئيًا.
وفي المقابل تقف دول الخليج حائرة في أي الطرق تتبعها في المستقبل لإضعاف المخاطر حولها، ولكن دول الخليج ليست موحدة في رؤيتها للأسف؛ فالسعودية لديها رؤية مختلفة فقد فضلت الانضمام إلى الآلية الرباعية التي تضمها بجانب مصر وتركيا وباكستان ومهادنة إيران حتى لا تتعرض لمزيد من ضرباتها الانتقامية وهو ما نجحت فيه، في حين رأت الإمارات مواصلة التحالف مع أمريكا وربما توجيه ضربات لإيران فتعرضت لضربات قوية أدركت حجم تأثيرها السيئ على اقتصادها، فبدأت مؤخرًا بعد الحديث عن اتفاق أميركي إيراني في الاتجاه للمهادنة واتباع نهج أكثر براغماتية.
حيث ذكرت تقارير إعلامية من بلومبرغ أنه تم تكليف الشيخ طحنون بن زايد، نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن الوطني الإماراتي، بإصلاح العلاقة مع إيران؛ حيث يُعرف الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان في المقام الأول بأنه المسؤول الفعلي عن إمبراطورية الأعمال التابعة للعائلة الحاكمة الثرية في أبوظبي، والرجل الذي يدير إمبراطورية مالية تبلغ قيمتها 1.5 تريليون دولار. لكن خلف الكواليس، تولى دورًا آخر وهو مبعوث دبلوماسي مكلف بالمساعدة في إعادة بناء علاقة الإمارات مع إيران، حيث ساعد الشيخ طحنون، وهو شقيق حاكم أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، في بناء قنوات اتصال مباشرة مع القادة الإيرانيين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع الحكومات الغربية والحلفاء الإقليميين. وإلى جانب الشيخ طحنون، دعا مسؤولون من دبي والشارقة أيضًا إلى التحول نحو إصلاح العلاقات مع إيران.
بينما تقف قطر في خندق ثالث يعمل لصالح أمريكا بشكل كامل مع التظاهر بعكس ذلك، ويمتلك قدرًا كبيرًا من المراوغة والنفوذ لدى صانعي القرار الأمريكي.
وفي المقابل تقف سلطنة عمان كالعادة في خندق مختلف عن باقي دول الخليج، وتعلنها صراحة منذ بداية الحرب أنها ضد شن الهجمات على إيران وتؤيد مبدأ التفاوض وهو نهج أثبتت الأسابيع الماضية صحته، وترفض سلطنة عمان الدخول في دائرة الابتزاز المستمرة منذ عقود وتفضل علاقات قوية مع بريطانيا حليفتها القديمة.
الأمر المؤكد حاليًا أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية هامة ستتغير بعدها العديد من الثوابت التي كانت مستقرة لعهود؛ فلا الحماية الأمريكية للخليج أثبتت قوتها الكافية لردع الخطر الإيراني وبالتالي فإن دائرة الابتزاز الأمريكية للخليج ستضعف، ولا الابتزاز الإسرائيلي عن طريق اللوبي الصهيوني قادر على الاستمرار بنفس القوة داخل أمريكا بسبب الصورة السلبية لإسرائيل وحكومة نتنياهو والانتقادات العلنية لهما من المسؤولين الأمريكيين، ومن بينهم الرئيس الأمريكي نفسه ونائبه جي دي فانس وبعض أعضاء الكونجرس الذين كانوا يؤيدون إسرائيل بشكل أعمى من قبل، وهي لحظة مفصلية من تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية على العرب استغلالها بسرعة لزيادة هذا الانقسام لصالحهم لكسر دائرة الابتزاز، خاصة وأن هذه الخلافات قد تمهد لسقوط حكومة نتنياهو؛ حيث كشفت تقارير إسرائيلية عن تواصل الإدارة الأمريكية مع شخصيات من المعارضة الإسرائيلية لبحث بدائل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مثل يائير لابيد.
فالإدارة الأمريكية مهتمة حاليًا بوقف الحرب التي ورطتها فيها إسرائيل ولو مؤقتًا حتى لا تضعف بالكامل دائرة ابتزازها للخليج، بينما تريد دوائر الحكم في إيران المزيد من ابتزاز الأموال من الخليج لإعادة الإعمار لما دمرته الحرب، والحصول على الأموال الإيرانية المجمدة لدى أمريكا لتحسين أوضاع شعبها لضمان استمرارها في الحكم، مع الاحتفاظ بأذرعها في لبنان والعراق واليمن وتطوير الصواريخ، ووضع حد زمني محدد لمنعها من تخصيب اليورانيوم بعد أن أثبتت التجربة أن مضيق هرمز أكثر تأثيرًا من السلاح النووي، وفي تلك الأثناء تستمر دائرة الابتزاز في المنطقة بهدف المزيد من إضعافها وإفقارها حتى لا تمتلك أي مقومات مستقبلية للوقوف في وجه الكيان الصهيوني في المستقبل. وبالتالي، فلا يزال الابتزاز مستمرًا.
 

تم نسخ الرابط