عاجل

نتفق جميعًا على أهمية التحول للدعم النقدي الذي طالب الكثيرون بتطبيقه على مدار سنوات، ولكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب من هذا الملف الخطير فعلاً وليس قولاً.. ويُحسب للدولة المصرية الآن تدخلها في هذا الملف الحساس، والذي يتطلب كثيرًا من الحكمة في التعامل معه لخطورته وتأثيره المباشر على المواطن البسيط.

فنحن نحتاج في التعامل مع هذا الملف إلى رؤية مختلفة، ولو كانت تختص بالتعامل مع جميع السلع الأساسية، إلا أن حديثنا الآن سيكون عن سلعة واحدة أساسية هي الخبز.. نعم، فنحن في حاجة لرؤية مصرية متوازنة تحمي الخبز وتضمن العدالة الاجتماعية.

ففي ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية، تواصل الحكومة المصرية جهودها لتنقية المنظومة الاقتصادية ورفع كفاءة الإنفاق العام؛ بهدف ضمان وصول الدعم لمستحقيه بدقة أكبر وتعزيز العدالة الاجتماعية. وتأتي قضية "التحول للدعم النقدي" كواحدة من أهم المحاور التي يناقشها الخبراء والمسؤولون كخيار بديل عن منظومة الدعم العيني المعمول بها حاليًا، والتي تعاني من بعض الاختلالات مثل الهدر وتسرب السلع لغير المستحقين.

ومع ذلك، تبرز في هذه النقاشات رؤية مصرية متوازنة تؤكد على ضرورة استبعاد سلعة الخبز تمامًا من أي مقترحات للتحول للدعم النقدي في هذه المرحلة على الأقل؛ نظرًا لأهميتها القصوى في حياة كل مصري، واعتبارها السلعة الغذائية الأساسية التي لا غنى عنها في أي بيت.. فلماذا يعتبر الخبز خطًا أحمر في منظومة الدعم النقدي؟ لأنه باختصار ليس مجرد مادة غذائية، بل هو ركن أساسي في الهرم الغذائي للأسر المصرية وخاصة المتوسطة والفقيرة، ويمثل عنصر الأمان الذي يضمن الحد الأدنى من الغذاء لكل فرد.

وإن كان تطبيق الدعم النقدي عمومًا ينطوي على مخاطر كبيرة أخطرها موضوع التضخم، فإنه في جزئية الخبز تحديدًا هناك مخاطر كثيرة، منها احتمالية تقلبات الأسعار؛ حيث ترتبط أسعار الدقيق والخبز في السوق الحر بتقلبات عالمية ومحلية كبيرة.. وتحويل الدعم لنقدي قد يعرض المواطن لصدمات سعرية غير متوقعة ويجعله عاجزًا عن شراء حاجته الفعلية من الخبز إذا ارتفع سعره في السوق.. أيضًا الدعم النقدي يحدد مبلغًا معينًا بينما يحتاج المواطن لكمية محددة من الخبز يوميًا.. وفي ظل ارتفاع الأسعار قد لا يغطي المبلغ النقدي التكلفة الإجماليّة لهذه الكمية، مما يقلل من جودة حياة المواطن وغذائه.

ولدينا أيضًا صعوبة ضبط المنظومة، خاصة أن منظومة الخبز الحالية القائمة على بطاقات التموين أكثر دقة في ضبط الكميات المخصصة لكل مواطن وضمان وصولها إليه مباشرة.. وتحويلها لنقدي يتطلب آليات مراقبة معقدة جدًا لمنع التلاعب وضمان شراء الخبز وليس سلعًا أخرى.

وبينما يتم حماية الخبز في المنظومة، يبدو التحول للدعم النقدي خيارًا واعدًا لتنقية منظومة الدعم في السلع الغذائية الأخرى مثل الزيت والسكر والأرز والبقوليات؛ لأن هناك أهدافًا أكبر سوف تتحقق من منظومة الدعم النقدي أهمها القضاء على الهدر والفساد، والتخلص من حلقات التداول العيني مما يقلل من فرص تسرب السلع لغير المستحقين ويمنع التلاعب في جودة السلع الموزعة.

وهناك أيضًا إتاحة حرية الاختيار للمواطن، فالدعم النقدي يمنح المواطن مبلغًا يستطيع من خلاله شراء احتياجاته الفعلية من السلع التي يرغب فيها، مما يعزز من قيمته الشرائية ويحسن من مستوى معيشته.. وهذا في حالة عدم حدوث التضخم الذي حذرنا من إمكانية وجوده.

ولا ننسى أن الدعم النقدي سيكون عاملاً حاسمًا في وصول الدعم لمستحقيه بدقة مع آليات الدعم النقدي مثل التحويلات البنكية المباشرة، ليكون هناك نظام أكثر دقة في استهدف الفئات الأحق بالدعم وضمان وصوله إليها مباشرة.

وحتى يصبح التطبيق مكتملًا، يجب وضع خارطة طريق نحو تطبيق آمن ومستقر لتحقيق استفادة المستحقين من الدعم النقدي في السلع الأخرى، تتمثل في مراجعة دورية لقواعد البيانات لضمان شمول كل فرد مستحق واستبعاد غير المستحقين بناءً على معايير عادلة ومحدثة.. إلى جانب ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم لضمان الحفاظ على القيمة الشرائية للدعم وتأمين الاحتياجات الأسرية الأساسية للمواطن في ظل تقلبات الأسعار.

إن الهدف من هذه الرؤية المتوازنة ليس مجرد تخفيض أرقام الموازنة العامة، بل هو تصفية وتنقية المنظومة لضمان وصول كل جنيه دعم إلى فرد مستحق حقيقي دون أن يمسه سوء في سلعة الخبز الحيوية.

إن الحفاظ على منظومة الخبز العيني بالتوازي مع التحول التدريجي والآمن للدعم النقدي في السلع الأخرى هو خارطة نجاح تضمن الضبط والاستقرار للأسواق وتحقق الجودة للحياة اليومية لكل مواطن، بعيدًا عن حسابات رقمية جافة للموازنة قد تتجاهل الواقع الإنساني المرير.. وبهذا التوجه تخطو مصر نحو منظومة اقتصادية إنتاجية لأجل كل مواطن، تعتمد على الكفاءة والشفافية وتحقق العدالة الاجتماعية الحقيقية.

 

تم نسخ الرابط