عاجل

لم تعد مشاركة مصر في القمم والمحافل الدولية الكبرى مجرد حضور دبلوماسي أو تمثيل بروتوكولي، بل أصبحت تعبيرًا واضحًا عن التحولات العميقة التي شهدتها السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، والتي أعادت القاهرة إلى موقعها الطبيعي كدولة محورية تمتلك القدرة على التأثير والمبادرة والمشاركة في صياغة التوازنات الدولية.
وفي هذا السياق، جاءت مشاركة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال قمة السبع الصناعية الكبرى بباريس لتؤكد مجددًا أن مصر باتت رقمًا مهمًا في المعادلة الدولية، وأن المجتمع الدولي ينظر إلى القاهرة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية الأكثر تعقيدًا.
إن حضور الرئيس السيسي في هذا المحفل الدولي الرفيع يجسد حجم التقدير الدولي المتنامي للدولة المصرية، ويعكس نجاح الدبلوماسية المصرية في بناء شبكة متوازنة من العلاقات مع مختلف القوى الدولية، بما منح القاهرة مكانة متقدمة في دوائر صنع القرار العالمي.
وتكتسب قمة السبع الصناعية الكبرى أهمية استثنائية باعتبارها واحدة من أهم المنصات الدولية المعنية بمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي وقضايا الأمن والطاقة والغذاء والتغيرات المناخية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. ومن ثم، فإن مشاركة الرئيس السيسي تمثل فرصة استراتيجية لنقل الرؤية المصرية والدفاع عن مصالح الدول النامية والأفريقية، وإيصال صوت الجنوب العالمي إلى مراكز صنع القرار الدولي.
كما أن مشاركة عدد من الدول الضيفة ذات الثقل الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها مصر والهند والبرازيل والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، تعكس اتساع دائرة الحوار الدولي وإدراك القوى الكبرى لأهمية إشراك الاقتصادات الصاعدة والدول المؤثرة إقليميًا في رسم ملامح النظام الدولي الجديد، ومناقشة القضايا المرتبطة بالأمن والطاقة والاقتصاد والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وتؤكد اللقاءات الثنائية المكثفة التي عقدها الرئيس السيسي على هامش القمة مع كبار القادة والمسؤولين الدوليين أن مصر أصبحت شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في مواجهة التحديات المشتركة. فقد عكست لقاءات الرئيس مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، عمق الشراكة المصرية الأوروبية، والحرص المتبادل على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي.
كما حمل اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب دلالات سياسية مهمة، حيث أكد الجانبان متانة الشراكة الاستراتيجية المصرية الأمريكية، واتفقا على تكثيف التشاور والتنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية، فيما حظي الدور المصري في دعم جهود السلام ووقف التصعيد في الشرق الأوسط بتقدير واضح من جانب الإدارة الأمريكية.
ولم تقتصر التحركات المصرية على الشراكات الغربية فحسب، بل امتدت إلى تعزيز التعاون مع القوى الاقتصادية الصاعدة، وهو ما تجسد في اللقاء المهم بين الرئيس السيسي والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، والذي أكد متانة العلاقات التاريخية بين البلدين، وأبرز أهمية الدور المصري داخل تجمع البريكس واتفاق التجارة الحرة مع تجمع الميركوسور، فضلًا عن النمو المتسارع في حجم التبادل التجاري بين القاهرة وبرازيليا.
وفي ملف التكنولوجيا الحديثة، جاءت مشاركة الرئيس السيسي في الجلسة رفيعة المستوى حول «ضمان نشر آمن وسريع وفعّال للذكاء الاصطناعي» لتؤكد أن مصر لا تكتفي بمتابعة التحولات الرقمية العالمية، بل تسعى إلى المساهمة الفاعلة في صياغة الأطر الدولية الحاكمة لهذه التقنيات. فقد شدد الرئيس على أهمية الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي، ووضع التشريعات والتنظيمات اللازمة، وبناء القدرات الوطنية بما يضمن الاستفادة القصوى من الثورة الرقمية مع الحد من مخاطرها.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أكدت مشاركة الرئيس السيسي في الجلسة الخاصة بـ«الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط» أن مصر أصبحت طرفًا رئيسيًا في بلورة الرؤى والحلول المتعلقة بأزمات المنطقة، انطلاقًا من رؤيتها القائمة على التسويات السياسية الشاملة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واحترام سيادة الدول، وحماية الممرات المائية الدولية وأمن الطاقة، ورفض أي تدخلات تمس استقرار الدول ووحدة أراضيها.
كما حملت حفاوة الاستقبال التي حظي بها الرئيس السيسي من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسائل سياسية ودبلوماسية مهمة، تعكس عمق العلاقات المصرية الفرنسية، وحجم الاحترام والتقدير الذي تحظى به الدولة المصرية وقيادتها السياسية على الساحة الدولية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة السبع الصناعية الكبرى تمثل محطة جديدة في مسار استعادة مصر لمكانتها الدولية، وتؤكد أن القاهرة لم تعد مجرد متلقية للتطورات الدولية، بل أصبحت شريكًا فاعلًا ومؤثرًا في صياغة القرار العالمي، وجسرًا استراتيجيًا للتواصل بين الشمال والجنوب، وصوتًا معبرًا عن القارة الأفريقية والدول النامية، وركيزة أساسية للأمن والاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
إن صورة الرئيس السيسي بين قادة أكبر الاقتصادات العالمية ليست مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل هي توثيق لمرحلة جديدة من الحضور المصري المؤثر، ورسالة تؤكد أن مصر استعادت مكانتها كدولة تمتلك الرؤية والقدرة والإرادة للمشاركة في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا على المستويين الإقليمي والدولي.

تم نسخ الرابط