من الملاكمة إلى كمال الأجسام.. كيف تحولت اللياقة البدنية لسلاح انتخابي بفرنسا؟
قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لا يقتصر التنافس بين المرشحين المحتملين على البرامج السياسية والخطابات الانتخابية، بل امتد إلى صالات الرياضة وحلبات الملاكمة، حيث باتت اللياقة البدنية جزءا من معركة الصورة والرسائل السياسية.
ويحرص عدد من أبرز الوجوه السياسية الفرنسية على إبراز نشاطهم الرياضي بصورة كبيرة، فبحسب مقربين منه، يخضع رئيس الوزراء الفرنسي السابق جابرييل أتال لبرنامج تدريب مع مدرب خاص ثلاث مرات أسبوعيا، بينما يوثق رئيس حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا تدريباته الرياضية وينشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في حين يفضل رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب ممارسة الملاكمة.
ويرى خبراء في الاتصال السياسي أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد اهتمام شخصي بالصحة، بل تحولت إلى أداة تواصل سياسية تهدف إلى إبراز صورة المرشح القوي والقادر على تحمل أعباء الحكم.

كيف تحولت اللياقة البدنية سلاح انتخابي في فرنسا؟
قال فيليب مورو شيفرولي، أستاذ الاتصال السياسي في معهد العلوم السياسية بباريس، إن "الجسد أصبح أول وسيلة للتواصل مع الناخبين"، معتبرا أن تحسين اللياقة البدنية بات يحمل رسالة ضمنية مفادها الاستعداد للتضحية وخدمة الدولة.
واضاف، في تصريحات صحفية، أن رئيس الجمهورية، على غرار ملوك فرنسا قديما، يمتلك "جسدين": جسده الشخصي وجسد الأمة التي يمثلها، وكلاهما يحتاج إلى الرعاية والمحافظة عليه.
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة أنجيه، فرنسوا أورمون، أن متطلبات العمل السياسي تغيرت خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن المرشح لم يعد مطالبا فقط بإظهار الكفاءة الفكرية، بل أيضا بإثبات الجاهزية البدنية والقدرة على الصمود في مواجهة الضغوط.

وأشارت التقارير إلى أن التحول الأبرز تمثل في الانتقال من رياضة الجري، التي اشتهر بها سياسيون مثل نيكولا ساركوزي ودومينيك دو فيلبان، إلى رياضات أكثر ارتباطا بالقوة البدنية والمواجهة المباشرة مثل الملاكمة وتمارين بناء العضلات.
ويضع الاقتصادي غيوم فاليه هذه الظاهرة في سياق عالمي أوسع، معتبرا أن تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية دفع الأفراد، بمن فيهم السياسيون، إلى البحث عن عناصر تمنحهم شعوراً بالقوة والثبات، وفي مقدمتها الجسد.
ويؤكد أن المطلوب اليوم ليس بالضرورة الجسد الضخم، بل الجسد النشيط والقادر على التكيف مع الضغوط والتحديات المتلاحقة.

ولم يبتعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن هذا التوجه، بعدما نشر في مارس 2024 صورا له أثناء تدريبات الملاكمة، أظهرت لياقته البدنية بشكل لافت وأثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.
ورغم انتشار هذه الظاهرة، لا يتفق جميع السياسيين مع ربط القوة السياسية بالمظهر الجسدي، فالسيناتور الشيوعي إيان بروسا يؤكد أن ممارسته للرياضة لا تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية، بل تمثل وسيلة للابتعاد مؤقتا عن ضغوط العمل العام.
وقال بروسا إن تفسير اللياقة البدنية باعتبارها رمزا للسلطة أو النفوذ السياسي يبدو مبالغا فيه، معتبراً أن هذه القراءة "سخيفة إلى حد ما".
كما تثير الظاهرة نقاشا بشأن حضور المرأة في هذا المجال، إذ يرى الباحثون أن إبراز القوة الجسدية لا يزال مرتبطا بصور نمطية ذكورية، رغم ظهور شخصيات سياسية نسائية مثل راشيدة داتي في صور دعائية أثناء ممارسة الملاكمة ورفع الأثقال.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يبدو أن معركة الصورة الشخصية واللياقة البدنية ستبقى جزءا من أدوات التنافس السياسي في فرنسا، جنباً إلى جنب مع البرامج الانتخابية والمواقف السياسية التقليدية.



