سعيد صادق: البغاء أُلغي قانونيًا منذ عقود لكنه لم يختفِ من المجتمع|خاص
قال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي إن الجدل الدائر بشأن الدعوات المتعلقة بتقنين البغاء في مصر يجب أن يُناقش من منظور اجتماعي وواقعي بعيدًا عن الإنكار، موضحًا أن البغاء كان موجودًا بشكل قانوني ورسمي في مصر حتى أواخر أربعينيات القرن الماضي قبل أن يتم تجريمه وإلغاؤه بقانون أقره البرلمان في ذلك الوقت.
إلغاء البغاء قانونيًا لا يعني اختفاء الظاهرة
وأوضح صادق، في تصريحات خاصة، أن إلغاء البغاء قانونيًا لا يعني اختفاء الظاهرة من الواقع، مشيرًا إلى أن هناك فارقًا بين وجود نص قانوني يجرم سلوكًا معينًا وبين القضاء الفعلي عليه داخل المجتمع، مضيفًا أن العديد من الظواهر المجرّمة قانونًا لا تزال موجودة بأشكال مختلفة، مثل تجارة المخدرات والسرقات وغيرها من الجرائم، وهو ما يعكس تعقيد المشكلات الاجتماعية وعدم ارتباطها فقط بالتشريعات.
وأكد أن ظاهرة البغاء ترتبط في الأساس بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، على رأسها الفقر وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة على الزواج وتحمل أعباء المعيشة، مشيرًا إلى أن هذه العوامل تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن وسائل بديلة لكسب الدخل أو تلبية احتياجاتهم المعيشية.
وأضاف أن المجتمع المصري شهد على مدار عقود صورًا مختلفة مما وصفه بـ"الدعارة المستترة"، سواء من خلال بعض الممارسات التي يتم تغليفها بأشكال اجتماعية أو قانونية مختلفة، أو من خلال أنماط من العلاقات التي تقوم في جوهرها على المنفعة المادية، لافتًا إلى أن هذه الظواهر جرى تناولها في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية التي رصدت أوضاع الفئات المهمشة والفئات الأكثر فقرًا.
فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي
وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن جزءًا من المشكلة يكمن في وجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، موضحًا أن بعض المجتمعات تميل إلى إنكار وجود المشكلات الحساسة خوفًا من الوصمة أو الحرج الاجتماعي، في حين أن معالجة أي أزمة تبدأ أولًا بالاعتراف بوجودها ودراسة أسبابها الحقيقية.
وأكد أن المجتمعات المتقدمة لا تتعامل مع القضايا الاجتماعية من منطلق الإنكار، بل من خلال البحث العلمي والدراسات الاجتماعية ووضع السياسات العامة التي تستهدف الحد من الظاهرة وحماية الفئات الأكثر تضررًا منها.
وأوضح أن الجدل الذي أثير مؤخرًا بشأن بعض الآراء المتعلقة بملف البغاء كشف حجم الاستقطاب المجتمعي وصعوبة تقبل الآراء المختلفة، مشيرًا إلى أن أي نقاش عام حول قضية اجتماعية معقدة يجب أن يركز على جوهر المشكلة بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة الأشخاص أو تبادل الاتهامات.
وأضاف أن هناك فئات من النساء يعملن في ظروف شديدة الصعوبة ويتعرضن لمشكلات اجتماعية وصحية ونفسية متعددة، معتبرًا أن الاهتمام بهؤلاء الضحايا وتقديم الدعم والرعاية لهم يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي نقاش مجتمعي حول القضية.
وأشار إلى أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر العقوبات القانونية، بل تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية أوسع تشمل مكافحة الفقر وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات التعليمية والصحية وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
كما لفت إلى وجود نقاشات قانونية تتعلق بكيفية تطبيق القوانين المرتبطة بجرائم الدعارة، موضحًا أن بعض المنتقدين يرون أن العقوبات في كثير من الأحيان تتركز على الطرف الذي يمارس النشاط بصورة مباشرة، بينما يثار جدل حول مدى شمول الملاحقة القانونية لجميع الأطراف المرتبطة بالفعل.
المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمشكلاتها تواجه صعوبة أكبر في حلها
وأكد صادق أن المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمشكلاتها تواجه صعوبة أكبر في حلها، موضحًا أن التشخيص الدقيق لأي أزمة اجتماعية يمثل الخطوة الأولى نحو العلاج، تمامًا كما يحدث في المجال الطبي عندما يتطلب علاج المرض الاعتراف بوجوده أولًا.
وشدد على أن الهدف من طرح هذه القضايا لا يجب أن يكون تبرير الظواهر السلبية أو الدفاع عنها، وإنما فهم العوامل التي تقف خلفها والعمل على الحد منها عبر سياسات واقعية تستند إلى الدراسات الاجتماعية والعلمية.
واختتم أستاذ علم الاجتماع السياسي تصريحاته بالتأكيد على أن القضايا الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى حوار مجتمعي هادئ ومستنير يوازن بين الاعتبارات القانونية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن التركيز على معالجة جذور المشكلات يظل أكثر فاعلية من الاكتفاء بإنكار وجودها أو التعامل معها بوصفها مجرد قضايا هامشية لا تستحق النقاش.