عاجل

واقعة الأب الرافض لطفله تفتح ملف الإهمال الأسري.. هل تكفي القوانين الحالية|خاص

أب يرفض استلام ابنه
أب يرفض استلام ابنه

أعادت واقعة الأب الذي رفض استلام طفله، والتي أثارت موجة واسعة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، تسليط الضوء على تساؤلات قديمة ومتجددة حول مدى كفاية التشريعات الحالية في حماية الأطفال من الإهمال الأسري، خاصة في الحالات التي لا يقتصر فيها الضرر على الجوانب المادية، بل يمتد إلى الحرمان العاطفي والنفسي الذي قد يترك آثارًا طويلة المدى على حياة الطفل ومستقبله.

أكدت نهي الجندي، المحامية المتخصصة في قضايا المرأة والأسرة، أن واقعة الأب الذي رفض استلام طفله، والتي أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت عن وجود ثغرة تشريعية مهمة في القوانين الحالية، موضحة أن المنظومة القانونية تجرّم أشكال العنف المادي والإهمال الجسدي، لكنها لا تتعامل بوضوح مع ما يُعرف بـ"الإهمال العاطفي" أو "الرفض الأبوي".

وقالت الجندي إن القوانين القائمة تتضمن نصوصًا تعاقب على بعض الجرائم المرتبطة بالأطفال، مثل إهمال الرعاية أو ترك طفل في ظروف تعرضه للخطر، إلا أن هذه النصوص غالبًا ما تشترط إثبات وقوع ضرر مادي أو صحي مباشر على الطفل، وهو ما يجعل التعامل القانوني مع حالات الرفض العاطفي أكثر تعقيدًا.

وأوضحت أن مواد قانون العقوبات الخاصة بإهمال الأطفال أو تركهم تتضمن عقوبات بالحبس والغرامة، إلا أن بعض الغرامات المنصوص عليها في التشريعات الحالية لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية، الأمر الذي يحد من فاعليتها كوسيلة للردع.

القانون لا يتضمن حتى الآن نصًا صريحًا يجرّم "الرفض الأبوي" 

وأضافت أن القانون لا يتضمن حتى الآن نصًا صريحًا يجرّم "الرفض الأبوي" أو الامتناع عن تحمل المسؤولية الأسرية من الناحية النفسية والعاطفية، لافتة إلى أن إثبات الضرر النفسي الناتج عن هذا السلوك يتطلب في كثير من الأحيان تقارير متخصصة وإجراءات قانونية قد تستغرق وقتًا طويلًا.

وأشارت إلى أن من أبرز التحديات أيضًا غياب آليات التدخل السريع في مثل هذه الوقائع، حيث تركز الإجراءات القانونية الحالية على ضمان حقوق الطفل المالية، مثل النفقة، بينما لا توجد أدوات قانونية كافية لإلزام أحد الوالدين بأداء دوره التربوي أو النفسي تجاه الأبناء.

مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد 

وأكدت الجندي أن المناقشات الدائرة حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد تمثل فرصة لمعالجة هذه الفجوة التشريعية، موضحة أن هناك مقترحات تتعلق بتجريم حالات الرفض المتعمد للأبناء أو الحرمان من الاستضافة والرعاية الأسرية، إلى جانب تغليظ العقوبات المرتبطة بإهمال الأطفال.

كما دعت إلى دراسة آليات تتيح للمحاكم إلزام الأطراف المعنية بحضور جلسات إرشاد أسري ودعم نفسي في بعض النزاعات الأسرية التي تؤثر بشكل مباشر على الأطفال، بما يسهم في الحد من الآثار النفسية السلبية الناجمة عن الخلافات بين الوالدين.

وفيما يتعلق بالإجراءات المتاحة حاليًا للأمهات في مثل هذه الحالات، أوضحت المحامية المتخصصة أن القانون يتيح تحرير محاضر إثبات حالة وتقديم دعاوى نفقة للصغير، فضلًا عن إمكانية اللجوء إلى الجهات المختصة بحماية الطفل لتوثيق الواقعة وإجراء الأبحاث الاجتماعية اللازمة، إضافة إلى رفع دعاوى تعويض عن الأضرار النفسية إذا توافرت الأدلة اللازمة لذلك.

واختتمت نهي الجندي تصريحاتها بالتأكيد على أن حماية الطفل لا يجب أن تقتصر على توفير الاحتياجات المادية فقط، بل يجب أن تمتد إلى ضمان حقه في الرعاية النفسية والأسرية السليمة، مشيرة إلى أن الواقعة الأخيرة أعادت طرح تساؤلات مهمة حول ضرورة تطوير التشريعات بما يواكب التحديات الاجتماعية الحديثة ويحافظ على مصلحة الطفل الفضلى.

من جانبه أكد المستشار أيمن محفوظ، المحامي بالنقض، أن واقعة رفض أحد الآباء الاعتراف بابنته أو تحمل مسؤولياته تجاهها أعادت إلى الواجهة ملف حماية الأطفال من الإهمال الأسري، وكشفت عن الحاجة إلى مراجعة التشريعات الحالية لضمان توفير حماية قانونية أكثر فاعلية للأطفال.

وقال محفوظ إن القوانين القائمة تتضمن بعض النصوص التي تتناول حالات الإهمال أو تعريض الأطفال للخطر، إلا أن تطبيق العقوبات غالبًا ما يرتبط بوقوع ضرر فعلي على الطفل، مثل تركه في مكان يعرض حياته أو سلامته للخطر، وهو ما يجعل الكثير من صور الإهمال الأسري خارج نطاق العقاب المباشر إذا لم يترتب عليها أذى مادي واضح.

قانون العقوبات يتعامل مع بعض صور الإهمال 

وأوضح أن قانون العقوبات يتعامل مع بعض صور الإهمال التي تؤدي إلى أضرار ملموسة، لكن إثبات هذه الوقائع قد يكون صعبًا في بعض الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفال صغار لا يملكون القدرة على المطالبة بحقوقهم أو اتخاذ إجراءات قانونية بأنفسهم.

وأضاف أن قانون الأحوال الشخصية يتضمن آليات تهدف إلى حماية مصلحة الطفل، من بينها نقل الحضانة إلى مستحقيها وفق الترتيب القانوني حال ثبوت الإضرار بمصلحة الصغير، إلا أن هذه الإجراءات، بحسب رأيه، لا تمثل عقوبة مباشرة على الطرف المتسبب في الإهمال بقدر ما تهدف إلى توفير الرعاية المناسبة للطفل.

وأشار محفوظ إلى أن قانون الطفل يتضمن العديد من المواد التي تكفل حقوق الأطفال وتحظر تعريضهم للإهمال أو الخطر، ومن بينها نصوص تفرض عقوبات على بعض الممارسات المخالفة، إلا أنه يرى أن العقوبات الحالية لا تحقق الردع الكافي في بعض الحالات، كما أن هناك إمكانية للإفلات من العقوبة أو الاكتفاء بإجراءات محدودة لا تتناسب مع حجم الضرر الواقع على الطفل.

حماية الأطفال تتطلب تطويرًا تشريعيًا يواكب التحديات الاجتماعية 

وشدد المحامي بالنقض على أن حماية الأطفال تتطلب تطويرًا تشريعيًا يواكب التحديات الاجتماعية الراهنة، بحيث يتم التعامل مع الإهمال الأسري باعتباره قضية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار الأسري، وليس مجرد نزاع عائلي محدود الأثر.

كما دعا إلى تفعيل دور المؤسسات المعنية بحماية الطفل، وفي مقدمتها الجهات المختصة برعاية الطفولة والأمومة وخطوط نجدة الطفل، بما يضمن التدخل السريع في الحالات التي يتعرض فيها الأطفال للإهمال أو الحرمان من حقوقهم الأساسية.

واختتم أيمن محفوظ تصريحاته بالتأكيد على أن الأطفال يمثلون أحد أهم عناصر بناء المجتمع، وأن توفير الحماية القانونية والاجتماعية لهم يجب أن يكون أولوية، من خلال تشريعات أكثر فاعلية وآليات تنفيذية تضمن عدم تعرضهم للإهمال أو الحرمان من حقوقهم الأساسية.

تم نسخ الرابط