عاجل

ما حدث هو بداية النهاية لكل ميراث الدولة القديمة والدخول لعصر جديد، فقد فتحت حادثة التجمع جرحاً قديماً اسمه البودي جارد والبلطجة، وهي ظاهرة تحولت من وسيلة حماية محدودة إلى رمز للاستقواء والنفوذ واستعراض القوة في وجه المجتمع كله.
المسألة لم تعد مجرد حراس شخصيين، بل أصبحت ثقافة كاملة تقوم على فكرة أن المال يشتري الهيبة، وأن النفوذ يشتري الحصانة، وأن المواطن العادي يجب أن يفسح الطريق لمن يحيطون أنفسهم بالحراس، وكأنهم فوق المجتمع وفوق القانون. إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تجرح مشاعر المواطنين فقط، بل تجرح هيبة الدولة ذاتها؛ لأن الدولة لا تعرف إلا قوة واحدة هي قوة القانون، ولا تعرف إلا سلطة واحدة هي سلطة المؤسسات، أما عندما تنتشر مظاهر توحي بوجود نفوذ موازٍ أو قوة موازية، فإن صورة الدولة نفسها تتعرض للاهتزاز..
تاريخياً وفي مراحل التحولات السياسية أو الأمنية، أحياناً ما تقوم الدولة باحتواء تلك المجموعات بشكل غير رسمي بدلاً من أن تتحول لقوة معادية أو يتم استخدامها ضدها، وأحياناً يتم غض الطرف عن تمددهم الاقتصادي أو الاجتماعي لاعتبارات واقعية مرتبطة بالسيطرة والاستقرار. وهناك دول تقوم بـ "تقنين" المشهد عبر إدخال بعض تلك العناصر في الاقتصاد الرسمي حتى لا تظل أموالهم تحت الأرض عبر شركات أمن وشركات حراسة واستثمارات ومقاولات ومعارض سيارات، لكن الخطورة الحقيقية في استمرار تلك المجموعات بنفس الأسلوب القديم كاستعراض نفوذ وأموال وحراسات، واعتقاد أن القوة فوق القانون أو فوق الذوق العام.
ومن المفهوم أن بعض النخب السياسية (حكاماً أو محكومين) يجدون أنه لا مفر من الالتجاء لهذه الفئة من المواطنين مثلما حدث عام 1954 عندما تم تنظيم مظاهرات ضد الديمقراطية في صراع نجيب وناصر؛ كان سياسياً مدنياً؟ أم أنه ضمن شبيحة تم تسميتهم في مراحل متقدمة من الصراع السياسي "الطرف الثالث".. الشبيحة وهم موجودون دائماً في خيال السلطات.. ويدعون عند اللزوم.
ولكن أن المواطن يلجأ لشخص نافذ أو “كبير منطقة” أو مجموعة عندها سطوة اجتماعية أو مالية لحل النزاعات بدل مؤسسات الدولة، فهي علامة على وجود خلل لابد من علاجه وليس التعايش معاه باعتباره أمراً واقعاً دائماً. فالدول القوية لا تقاس بعدد الأشخاص الذين “يقضوا مصالح”، لكن بقدرة المواطن العادي إنه ياخد حقه بدون وسيط… وبدون خوف.
فالعدالة وتطبيق القانون هما رمانتا ميزان المجتمع، إذا تم إهمالهما عن عمد سقط المجتمع في صراع طبقي بين القوي والضعيف والغني والفقير وبين صاحب رأس المال والعامل، هذا الصراع يزداد تدريجياً ويؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباها. فالبلطجة وقوانينها كادت أن تتحول إلى أمر واقع، وكاد الحساب والعقاب ورد الحقوق وسلبها تذهب إلى دوائر غير شرعية، وهو ما يعني تغييب دور الدولة، وبالتالي تفتيت الجبهة الداخلية في توقيت نحتاج فيه إلى تماسكها.
وجزء كبير من المسؤولية على بطء إجراءات التقاضي وارتفاع تكاليف التقاضي بشكل مبالغ فيه، فأصبح اللجوء للأشكال الضالة أرخص وأسرع في استرجاع الحقوق؛ لأن رأس المال جبان وأول ما يخاف ليس الضرائب ولا البيروقراطية، لكن الشعور بأن هناك قوة غير رسمية ممكن تنافس قوة القانون. ومواجهة هذه الكارثة حماية للأمن القومي، فالأمن الداخلي والخارجي والقضاء مهمة سيادية وحصرية للدولة، وواجب الضرب بيد من حديد على كل جماعة تنازع الدولة في أي مظهر من مظاهر السيادة.
وظاهرة "النخنخة" إرهابية مقترنة بأخرى معلومة واضحة أخطر منها لتنازعها أخطر مظاهر الدولة، ذلك أن أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس الجريمة… لكن لحظة غياب الانضباط وفقدان الثقة في القانون ومؤسساته.
الدولة لا تسقط فجأة، لكنها تضعف عندما يشعر البعض أنهم أكبر من القانون، وتضعف عندما يظن البعض أن الشهرة أو الثروة تمنح امتيازات لا يملكها المواطن العادي، وتضعف عندما يخاف الناس من أصحاب النفوذ أكثر مما يثقون في سلطة القانون.
 

تم نسخ الرابط