مظلات أرجوانية تهز قداس مدريد.. احتجاج نسائي يطالب بكهنوت المرأة في الكنيسة
واجهت مئات من المتظاهرات انتقادات واحتجاجات من بعض الحاضرين الذين أزعجهم وجود لافتة أرجوانية تطالب بالمساواة داخل الكنيسة الكاثوليكية، بالتزامن مع قداس البابا في العاصمة الإسبانية مدريد.
وكشفت صحيفة “إلبايس” الإسبانية، أنه قبل عامين، توجهت خمس نساء نحو أبواب الفاتيكان أثناء انعقاد مجمع الأساقفة (السينودس)، ولم يكن بحوزتهن سوى مراوح يد أرجوانية كُتب عليها سؤال واحد: "لماذا لست أنا؟"، ومطلب واضح: "رسامة النساء كاهنات في الكنيسة".
في ذلك الوقت، لم يتمكنّ من تجاوز الساحة، إذ تعقبهن ثلاثة رجال شرطة بملابس مدنية ومنعوهن حتى من فتح مراوحهن.
ورغم مرور الوقت وتغيّر الحبر الأعظم، فإن المطالب لا تزال قائمة كما هي. وخلال القداس الذي أقيم هذا الأحد في ساحة "سيبيليس" بمدريد، لم تكن الشرطة هي من حاول إيقاف أكثر من 20 امرأة محتجة، بل بعض المؤمنين الذين كانوا ينتظرون بدء مراسم القداس.
وقد أثارت مجموعة المظلات الأرجوانية، إلى جانب لافتة كُتب عليها "حتى تصبح المساواة عادة"، حالة من الاستياء بين جزء من الجمهور.
واقتربت إحدى الحاضرات من رجال الأمن مطالبة إياهم بمنع بسط القماش الأرجواني بحجة أنه "يشغل مساحة كبيرة"، وقالت موبخة: "ليجلسن كما يفعل الجميع"، إلا أن الشرطي فضّل عدم التدخل.
صرخة كاثوليكية من أجل المساواة

تنتمي هؤلاء النسوة إلى حركة "انتفاضة النساء في الكنيسة"، وهي منظمة للمؤمنات الكاثوليكيات تطالب منذ سنوات بالمساواة داخل المؤسسة الدينية، وتشكل جزءاً من "المجلس العالمي للمرأة الكاثوليكية".
بدأت الجمعية مسيرتها عام 2019، ولها تمثيل في جميع أنحاء أوروبا. وخلال الجمعية العمومية التي عُقدت العام الماضي، ضمت 300 ممثلة من مختلف المناطق الإسبانية، فضلاً عن القواعد الشعبية الواسعة التي تتبنى الفكرة.
وفي خضم احتجاجات الأحد، شوهد شاب يرتدي قميصاً أزرق وسروالاً بيج وهو يواجه إحدى المتظاهرات، رافعاً ذراعيه في غضب واستياء واضحين، معترضاً على استمرار بقاء اللافتة في مكانها.
ورغم أنه قد يبدو من الغريب أن تثير قطعة قماش كل هذا التوتر والشقاق، إلا أن لورا كوبيوس (18 عاماً)، وهي من أصغر المشاركات في الاحتجاج، ترى الأمر من منظور آخر قائلة:"إنه لأمر مرهق أن تسمع انتقادات كهذه، لكن هذا يعني أن الناس يرون شيئاً مختلفاً ويعيدون النظر في الأمور. وعندما يعودون إلى منازلهم، سيتحدثون عن هذا الموضوع حتماً".
وعلى مقربة من المكان، مرت مجموعة من الفتيات في مثل عمرها تقريباً، ونظرن إلى اللافتة بنظرات تعجب وواصلن السير، وكأن تلك الرسالة لا تعنيهن من قريب أو بعيد.
إرث فرانسيس والآمال المعلقة على ليون الرابع عشر
لقد فتح البابا الراحل فرانسيس مساراً للمرأة داخل الكنيسة، وخاض معارك عديدة في سبيل ذلك، ولكن بعد وفاته، يبدو أن الزخم الإصلاحي قد فقد جزءاً من قوته.
والآن، تتطلع أعين هؤلاء النساء نحو البابا ليون الرابع عشر، ويحدوهن الأمل في أن يتخذ خطوات ملموسة.
ولا تخوض هذه النساء المعركة من أجل أنفسهن، فهن يدركن أن "التغييرات لا تحدث بسرعة"، بل يفعلن ذلك من أجل بناتهن ومستقبلهن.
ولا يقتصر حراكهن على احتجاجات الشارع؛ إذ إن إحدى الشخصيات التي ستلتقي بالبابا ليون الرابع عشر في اجتماع خاص خلال زيارته لمدريد، ستسلمه كتاباً يروي تاريخ انتفاضة النساء في الكنيسة، والهدف هو إثبات أن المطالبة بالصوت والحق في التصويت لا تتوقف عن النمو.
جدار حديدي في وجه الكهنوت النسائي

تصف تيريزا كاسياس، التي تقود مجموعة المتظاهرات، "السقف الزجاجي" الذي يواجه المرأة بأنه أشبه بـ "جدار حديدي".
وتقول كاسياس (60 عاماً) بنبرة حادة:"هناك رفض قاطع لمسألة كهنوت المرأة أو ترسيمها شماسة من قِبل التسلسل الهرمي للكنيسة، هذا يمثل صفعة لنا".
انخرطت هذه السيدة الأرجنتينية في المجتمع الكاثوليكي منذ صغرها، وأصبحت لاحقاً عضواً في المجلس الأبرشي للشباب.
ولعقود طويلة، لم يخطر ببالها التشكيك فيما كانت الكنيسة تقدمه كأمر طبيعي: وهو أن يحتكر الرجال كافة مناصب السلطة والنفوذ، ومع ذلك، بدأت هذه القناعات تتصدع عندما بدأت بناتها في طرح الأسئلة.
وتتذكر قائلة: “كنّ يلعبن في مجتمعنا الكاثوليكي دور من يقيم القداس، ويسألنني: 'أمي، لماذا لا يمكنني أن أكون كاهنة؟'”، وتوضح أنه منذ تلك اللحظة، بدأ الأمر يزعجها ويشعرها بعدم الارتياح للانتماء إلى مؤسسة تضع قيوداً على طموحات وإمكانيات النساء.
معركة صامتة خلف المناصب القيادية
جدير بالذكر أن الدستور الرسولي (Praedicate Evangelium)، الذي أصدره البابا فرانسيس عام 2022، سمح للعلمانيين -بمن فيهم النساء- بتولي رئاسة الدوائر الفاتيكانية (الديوان)، وهو منصب كان حكراً في السابق على الكرادلة ورؤساء الأساقفة.
وخلال حبريته، عين فرانسيس ثلاث نساء في مناصب عليا، وهن: باربرا جاتا (مديرة متاحف الفاتيكان)، ورافاييلا بيتريني (الأمينة العامة لحكومة دولة الفاتيكان)، وسيمونا برامبيلا (أمين دائرة معاهد الحياة التكرسية وجمعيات الحياة الرسولية).
لكن كاسياس تشير إلى وجود عوائق أخرى غير مرئية:"هناك جدران شفافة، حيث يبدو ظاهرها منحنا المساواة، لكن الواقع مغاير تماماً، بعض النساء اللواتي وصلن إلى مناصب السلطة في عهد فرانسيس قيل لهن: 'ستأتين إلى هنا، لكن لن يكون لكِ مكتب أو كرسي'. إنها معركة صامتة لجعل ممارسة مهامكِ أمراً غاية في الصعوبة".
ولتدليل على ذلك، تروي قصة حدثت مؤخراً: "أخبروني هذا الأسبوع أنه تم تعيين راهبة كرئيسة للمجمعات الرهبانية، ووضعوا كاردينالاً في منصب النائب لها. وكان النتيجة أن بعض الكرادلة الآخرين سخروا منه وسألوه كيف يقبل أن يكون مرؤوساً لامرأة؟".
غياب تام عن المذبح
المفارقة تكمن في الأرقام؛ فمن بين 31,500 من الرهبان والراهبات المسجلين في إسبانيا، هناك 24,000 امرأة.
ومع بدء قداس الأحد، تجسد سبب هذا الاحتجاج بشكل جلي أمام الأعين: حيث رافق مئات من رؤساء الأساقفة والكرادلة البابا على المذبح للاحتفال بالطقوس، ولم تكن بينهم امرأة واحدة. وهنا هتفت كاسياس بغضب: "أتظنون ذلك؟ هذا ما كنت أعنيه. كيف يمكن أن يحدث هذا؟".
فوق قطعة القماش المطرزة بالرسائل، كانت طفلة لم تكمل عامها الأول تلعب مع شقيقتها ذات السنوات الثلاث؛ كانتا تضحكان وتتراكضان غير آبهتين بالجدل المحتدم حولهما، قبل أن توبخهما والدتهما بابتسامة: "اششش... نحن في القداس".
وسط هذه الحشود النسائية التي تدافع عن اللون الأرجواني، برز رجل وحيد يدعى مارك كولادو (33 عاماً)، جاء لمرافقة المحتجات كعلامة على التضامن.
وأوضح كولادو أن هذه "معركة تقودها النساء داخل الكنيسة وتستحق دعم الرجال أيضاً، والاعتراف بوجود التمييز والعمل على هدمه".
ولم يبدِ اندهاشه من قلة الحضور الرجالي، مضيفاً: "هناك العديد من الرجال الذين يدركون هذا التمييز، لكنهم يفضلون الحفاظ على السلطة. والحقيقة هي أن هذا التفاوت لا يزال يتجاهله جسد الكنيسة بأكمله".
ومع طي لافتة الاحتجاج عقب انتهاء القداس، عبرت ماريا فريتشيا، إحدى المشاركات، عن رضاها قائلة تلخيصاً لرسالة اليوم: "اللافتة التي بسطناها يبلغ طولها اثني عشر متراً وهي بمثابة استعارة مجازية؛ فمثلما استولينا اليوم على هذه المساحة في الساحة، سنحتل قريباً مساحتنا المستحقة من القيادة والمساواة داخل الكنيسة".