كم مرة كانت الولايات المتحدة وإيران على وشك التوصل إلى اتفاق؟
في الوقت الذي لا يزال فيه التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران بعيد المنال، وبعد مرور 100 يوم على بدء العمليات العسكرية الأولى المشتركة بين واشنطن وتل أبيب ضد طهران في 28 فبراير، تكشف التطورات المتلاحقة عن سلسلة من جولات التفاوض المتعثرة التي تخللتها تصعيدات ميدانية وسياسية أعادت الأزمة إلى نقطة الصفر أكثر من مرة.
بدأت المواجهة بعملية عسكرية مشتركة حملت اسم «الغضب الملحمي»، نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران، قبل أن ترد طهران بسلسلة هجمات استهدفت مواقع إسرائيلية وأخرى للقوات الأمريكية في منطقة الخليج.
ومع تصاعد المواجهات، تراجعت العمليات القتالية المباشرة إلى حد كبير عقب التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بوساطة باكستان في 8 أبريل، غير أن المسار السياسي لم ينجح في تثبيت هذا التهدئة، إذ انهارت محادثات مباشرة جرت في العاصمة إسلام آباد يومي 11 و12 أبريل، لتتحول المفاوضات لاحقا إلى قنوات غير مباشرة عبر الوساطة الباكستانية.

مفاوضات إسلام آباد.. قتراب ثم انهيار
شهدت العاصمة الباكستانية أول لقاء مباشر بين الجانبين منذ عام 1979، حيث ترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، بمشاركة المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما ضم الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين بارزين في مجلس الأمن القومي.
ووفق مصادر مطلعة، استمرت المحادثات لنحو 21 ساعة ووصفت بأنها «جوهرية»، لكنها انتهت دون اتفاق، وقال فانس إن واشنطن قدّمت ما وصفه بـ«العرض النهائي»، غير أن طهران لم تبد التزامًا واضحًا بشأن وقف برنامجها النووي.
في المقابل، وصفت إيران المحادثات بأنها «عملية تأسيسية» وليست حدثا منفردا، مؤكدة استمرار الانخراط الدبلوماسي رغم غياب النتائج.

وتظل القضية النووية أبرز نقاط الخلاف، في ظل امتلاك إيران نحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يقترب من العتبة العسكرية، بينما تصر واشنطن على تفكيك هذا المخزون بالكامل، وهو ما ترفضه طهران.
وبعد أيام قليلة من انهيار المحادثات، فرضت الولايات المتحدة إجراءات وصفها مراقبون بـ«الحصار البحري» على حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية، في خطوة زادت من حدة التوتر وأضعفت فرص استئناف الحوار.
لبنان ومضيق هرمز… جبهات موازية للأزمة
وفي 16 أبريل، أعلن عن هدنة مؤقتة بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، بعد أسابيع من المواجهات مع حزب الله المدعوم من إيران، والتي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى ونزوح أكثر من مليون شخص.
ورغم الإعلان عن الهدنة، استمرت الخروقات العسكرية، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين خلال الأسابيع اللاحقة، وفق تقديرات منظمات إنسانية دولية.
وبالتزامن، برز ملف مضيق هرمز كأحد أخطر نقاط التوتر، إذ شهدت الملاحة قيودًا متبادلة بين طهران والقوات الغربية، وسط تهديدات متكررة بإغلاق الممر الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

تصعيد سياسي بين واشنطن وتل أبيب
وفي تطور لافت مطلع يونيو، كشفت تقارير إعلامية عن توتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية العمليات العسكرية في جنوب لبنان.
وبحسب تلك التقارير، انتقد ترامب التصعيد الإسرائيلي المتواصل، في حين واصلت تل أبيب عملياتها العسكرية رغم الحديث عن وقف إطلاق نار مشروط بوساطة أمريكية، ما أعاد المخاوف من توسع نطاق المواجهة الإقليمية.

مشهد مفتوح على مزيد من التصعيد
وتشير المعطيات الحالية إلى أن مسار التهدئة بين واشنطن وطهران لا يزال هشًا، في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، وملفات النفوذ الإقليمي، وحرية الملاحة في الخليج.
وبين جولات تفاوض قصيرة العمر وتصعيدات عسكرية متكررة، يبقى مستقبل أي اتفاق شامل مرهونًا بتنازلات متبادلة لم تتبلور حتى الآن، وسط تحذيرات من أن أي انهيار جديد قد يعيد المنطقة إلى مواجهة أوسع نطاقًا.



