"مسلة الأقصر يجب أن تعود".. الشماع: بالأدلة المسلة مهددة بالدمار في باريس
في إطار الجدل المتجدد حول استرداد الآثار المصرية من الخارج، جدّد المؤرخ بسام الشماع مطالبته بعودة مسلة الملك رمسيس الثاني الموجودة حاليًا في ميدان الكونكورد بالعاصمة الفرنسية باريس، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بمجرد مسلة أثرية، وإنما الأمر هو إعادة جزء أصيل من التكوين الحضاري والمعماري لمعبد الأقصر إلى سياقه التاريخي الكامل.
ما هو السياق التاريخي ولمن ترجع ملكية الأثر؟
قال الشماع إن البعد التاريخي للمسلة، يشير إلى أنها كانت إحدى المسلتين أمام الصرح الأول لمعبد الأقصر في عهد الملك رمسيس الثاني، والمسلة الشرقية قائمة في موقعها حتى اليوم، ومن هنا يرى أن نقل إحدى المسلتين إلى باريس يمثل "بترًا للسياق الأثري"، لأن القيمة الحقيقية للآثار لا تكمن فقط في وجودها المادي، بل في ارتباطها بالمكان الذي شُيّدت فيه، وبالدلالات الرمزية والمعمارية التي أرادها المصري القديم ضمن تصميمه المتكامل للمعبد.
طرح الشماع تساؤلًا هامًا، حول الظرف التاريخي لنقل المسلة إلى فرنسا، في القرن الـ19، وقال: “إن ما جرى في عهد محمد علي باشا كان أمرًا سياسيًا معقدًا تحكمت عدة عوامل، منها مصالح دولية، ما يثير -حسب كلام الشماع- لغطًا حول مدى عدالة وشرعية هذا ”الإهداء"، الذي وصفه بأنه لم يحظى بموافقه شعبية.
ما هي القيمة الحضارية والمعمارية للمسلة؟
يرى الشماع أن عودة المسلة إلى الأقصر ستعيد التوازن البصري والمعماري لواجهة المعبد، حيث يعتمد التصميم على مبدأ التناظر الذي كان جزءً أساسيًا من فلسفة العمارة المصرية القديمة، ووجود المسلتين معًا أمام المدخل لا يمثل مجرد عنصر جمالي، بل مفتاحًا لفهم المعنى الرمزي والمعماري الذي قصد إليه المعماري المصري القديم، وهو ما يصعب إدراكه في ظل غياب أحد العنصرين، حيث أصبح المعبد ذو ساق واحدة، مبتور المغزى، منقوص المعنى.
وأضاف، الموقع الأثري في حد ذاته يمثل “المتحف الحقيقي” للآثار، لأن فصل القطع عن بيئتها الأصلية يفقدها وظيفتها التعليمية والثقافية، ويقلل من قدرة الزائر على فهم السياق التاريخي الكامل، فقد أصبحت المسلة الآن مجرد ديكور يزين مكانًا لا علاقة لها به ولا يناسب طبيعتها الأثرية والتاريخية.
هل مسلة الكونكورد آمنة في مكانها الحالي؟
أثار الشماع مخاوفًا تتعلق بالحفاظ على المسلة في موقعها الحالي في ميدان الكونكورد بباريس، مستندًا إلى صور تشير –حسب قوله- إلى وجود كابلات كهربائية قرب القاعدة، ما قد يشكل خطرًا فنيًا في حال حدوث أعطال أو ماس، كما يشير إلى أن تغطية قمة المسلة بغطاء معدني قد يثير تساؤلات حول تأثير العوامل الجوية والصواعق المحتملة على سلامة الأثر، داعيًا إلى إعادة تقييم إجراءات حماية، مؤكدًا أن خامات المسلة "الجرانيت" متناسبة مع البيئة المصرية، وأن المناخ الأوروبي البارد لا يناسبها بأي حال، حيث ظهرت شروخات في المسلة وأثرها واضح للغاية.
مطالبة باسترداد الأثر
ربط الشماع قضية مسلة الأقصر بالنقاش العالمي المتصاعد حول استرداد الممتلكات الثقافية، معتبرًا أن نجاح مصر في استعادة المسلة قد يفتح الباب أمام مطالبات أخرى تتعلق بقطع مصرية بارزة مثل حجر رشيد وتمثال نفرتيتي النصفي، مشيرًا إلى أن فرنسا أعادت خلال السنوات الأخيرة بعض القطع التراثية إلى دول أفريقية، متسائلًا عن سبب عدم إدراج التراث المصري.
الإطار القانوني الدولي
استند الشماع في طرحه إلى عدد من الاتفاقيات الدولية، أبرزها اتفاقية اليونسكو لعام 1970، واتفاقية يونيدروا لعام 1995، واتفاقية لاهاي لعام 1954، والتي تنظم قضايا استرداد وحماية الممتلكات الثقافية ومنع الاتجار غير المشروع بها.
وأكد أن هذه الاتفاقيات تتيح للدول الحق في المطالبة باستعادة آثارها، خاصة تلك التي خرجت بطرق غير مشروعة أو في ظروف تاريخية محل جدل، مع الإشارة إلى مواد تنص على التعاون الدولي واسترداد الممتلكات الثقافية وإعادتها إلى موطنها الأصلي.
هل مواد الاتفاقيات عادلة؟
انتقد الشماع بعض مواد الاتفاقيات، وطالب بإعادة النظر في مواد اتفاقية اليونسكو، معتبرًا أن بعض البنود قد تُستخدم لتبرير أو تقنين حالات نقل الملكية الثقافية في الماضي.
وطرح تساؤلات حول مفهوم الهدايا أو التبادل الحر في المادة الرابعة لاتفاقية اليونسكو، معتبرًا أن هذه الصياغات تبرر لاغتصاب الأثر، وهي ضد الإرادة الشعبية المصرية، وهي مرتبطة أكثر بالسياسات بين الدول، وليس بحماية وحفظ التراث.
اختتم الشماع رؤيته قائلًا، إن ملف استرداد الآثار المصرية في الخارج ليس مجرد قضية قانونية، بل هو ملف مرتبط بالهوية والذاكرة الحضارية، داعيًا إلى تحرك دولي منظم لإعادة النظر في مصير عدد من القطع التي غادرت مصر في ظروف تاريخية وسياسية لا تزال محل جدل حتى اليوم.
































