عاجل

من المعادي إلى دير المحرق.. رحلة العائلة المقدسة في قلب الصعيد المصري

رحلة العائلة المقدسة
رحلة العائلة المقدسة

اليوم 1 يونيو، تحتفل مصر بذكرى قدوم رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وهي الرحلة التي غادرت أرض فلسطين، وعبرت سيناء، ثم تجولت بالقاهرة، ثم غادرت القاهرة عبر ضفاف النيل بالمعادي، لتبدأ المرحلة الأطول والأكثر مشقة من رحلتها داخل مصر، عبر الصعيد المصري، وعبر مئات الكيلومترات بين القرى والجبال والوديان، وفي تلك المرحلة بلغت الرحلة ذروتها الروحية والتاريخية، حيث وصلت العائلة إلى جبل قسقام في أسيوط، وأقامت فيه أطول فترة لها داخل مصر قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى فلسطين.

كيف بدأت؟.. رحلة العائلة المقدسة من سيناء إلى القاهرة (المرحلة الأولى)

دير الجرنوس.. أولى محطات الصعيد

من المعادي استقلت العائلة المقدسة مركبًا شراعيًا عبر نهر النيل متجهة جنوبًا حتى وصلت إلى منطقة الجرنوس بالقرب من مغاغة بمحافظة المنيا، والجرنوس هو أبرز محطات الرحلة بشمال الصعيد، حيث احتفظت الكنيسة ببئر يُعتقد أن العائلة شربت من مياهه أثناء رحلتها، وتحول الجرنوس لمحطة رئيسية للحجاج والزائرين الذين يتتبعون خطى العائلة المقدسة عبر الأراضي المصرية.

البهنسا.. أرض التاريخ والشهداء

واصلت العائلة رحلتها جنوبًا مرورًا بالمناطق الواقعة شرق وغرب بني مزار، ومن بينها البهنسا التي ارتبطت لاحقًا بتاريخ ديني وحضاري عريق، وتحمل هذه المنطقة قيمة خاصة في التراث المصري، إذ أصبحت فيما بعد واحدة من أشهر المدن التاريخية في صعيد مصر، حيث ضمت إلى جانب آثارها القبطية، مقابر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

جبل الطير.. معجزة الصخرة الخالدة

من أهم محطات الرحلة في محافظة المنيا منطقة دير السيدة العذراء في جبل الطير، شرق النيل بالقرب من سمالوط، وتروي التقاليد القبطية أن العائلة احتمت في مغارة بالجبل، وأثناء مرورها كادت أن تسحقها صخرة ضخمة، فمد المسيح عليه السلام يده لتتوقف الصخرة عن السقوط، تاركة أثرًا يقال إنه يشبه بصمة الكف، ومن هنا جاء الاسم الآخر للمكان وهو "جبل الكف"، بينما اشتهر باسم جبل الطير لكثرة الطيور المهاجرة التي تتجمع عنده

شجرة العابد.. شاهد طبيعي على الرحلة

على مقربة من الجبل تقف شجرة تاريخية ارتبطت بذكريات الرحلة، ويطلق عليها السكان اسم “شجرة العابد”، ويقول التراث الشعبي إن أغصانها انحنت نحو الأرض إجلالًا للسيد المسيح، وعادت لتنمو لأعلى من جديد، لتبقى واحدة من أبرز المعالم الطبيعية المرتبطة بمسار العائلة المقدسة.

الأشمونين.. مدينة الأوثان الساقطة

بعد مغادرة جبل الطير عبرت العائلة المقدسة النيل إلى الضفة الغربية واتجهت نحو مدينة الأشمونين بمحافظة المنيا، وكانت المدينة مركزًا دينيًا مهمًا في مصر القديمة، وتذكر التقاليد أن الأوثان الموجودة فيها سقطت وتحطمت عند وصول السيد المسيح، كما حدث في عدد من المحطات الأخرى على طول المسار، وأصبحت الأشمونين لاحقًا واحدة من أهم المواقع الأثرية التي توثق التداخل بين الحضارتين المصرية والمسيحية.

ديروط الشريف.. محطة على طريق الجنوب

تابعت العائلة المقدسة رحلتها جنوبًا نحو منطقة ديروط الشريف، التي تمثل حلقة مهمة في المسار قبل الوصول إلى محافظة أسيوط، وظل الموقع محتفظًا بمكانته ضمن المحطات الرئيسية بمسار العائلة 

قسقام.. المدينة التي رفضت الضيوف

وصلت العائلة المقدسة بعد ذلك إلى منطقة قسقام بالقرب من القوصية في أسيوط، وتروي المصادر الكنسية أن سكان المنطقة لم يرحبوا بالعائلة، وأن سقوط الأصنام وتحطمها أثار غضب الأهالي، مما دفعهم إلى طرد العائلة من البلدة، لذا ارتبط اسم قسقام في الروايات الدينية بمرحلة من المعاناة والمشقة قبل الوصول إلى الملاذ الآمن

مير.. حيث وجدوا الترحيب والأمان

على النقيض من قسقام، استقبل أهالي قرية مير العائلة المقدسة بحفاوة كبيرة وأكرموها خلال إقامتها هناك، وتشير التقاليد إلى أن السيد المسيح والسيدة العذراء باركا أهل البلدة، لتظل مير إحدى المحطات التي ارتبطت بقيم الضيافة المصرية الأصيلة.

دير المحرق.. بيت لحم الثاني

بلغت الرحلة ذروتها عند وصول العائلة المقدسة إلى دير المحرق، الذي يعد أهم وأقدس محطات المسار داخل مصر، ويقع الدير عند سفح جبل قسقام، ويُعرف في التراث المسيحي باسم "بيت لحم الثاني"، لأن العائلة المقدسة أقامت فيه أطول فترة خلال وجودها في مصر، حيث مكثت نحو ستة أشهر وعشرة أيام، وتحولت المغارة التي أقامت فيها العائلة لاحقًا إلى هيكل الكنيسة الأثرية بالدير، بينما يُعتقد أن الحجر الموجود بالمذبح الحالي هو ذاته الحجر الذي كان يجلس عليه الطفل يسوع، ويحظى الدير بمكانة استثنائية بين المزارات المسيحية في العالم

درنكة.. المحطة الأخيرة قبل العودة

بعد وفاة الملك هيرودس ظهر الملاك جبرائيل ليوسف النجار وأبلغه أن الخطر زال، والوقت حان للعودة إلى أرض فلسطين، ووقبل بدء رحلة العودة مرت العائلة المقدسة بمنطقة دير السيدة العذراء بدرنكة، الواقعة على جبل درنكة غرب أسيوط، ويعد هذا الموقع آخر محطة باركتها العائلة المقدسة في صعيد مصر، وأحد أشهر مواقع الحج المسيحي في البلاد.

أكثر من ثلاثة أعوام على طرق مصر

انتهت رحلة العائلة المقدسة في مصر بعد أكثر من ثلاث سنوات من التنقل والمعاناة، قطعت خلالها ما يزيد على ألفي كيلومتر سيرًا على الأقدام أو عبر النيل، ورغم ما واجهته من مشقات ومطاردات، فقد تركت وراءها إرثًا دينيًا وحضاريًا فريدًا امتد من شمال سيناء إلى قلب الصعيد، ليصبح أحد أهم الكنوز الروحية والتاريخية التي تميز مصر عن سائر بلدان العالم.

تم نسخ الرابط