مندوب مصر الأسبق يتحدث لـ"نيوز رووم" عن لقائه بأحمدي نجاد.. هل جندته إسرائيل؟
قال السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم الأسبق لدى الأمم المتحدة، إن عودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن مفاجئة، مؤكدًا أن مذكرة التفاهم التي أفضت إلى وقف إطلاق النار الهش كانت منذ البداية غير قابلة للتنفيذ، بسبب احتوائها على بنود لم يكن من الممكن لأي من الطرفين الالتزام بها بشكل كامل.
بنود مذكرة التفاهم لم تكن واقعية منذ البداية
وأوضح أحمدين، في تصريحات خاصة أن الولايات المتحدة خرقت المذكرة منذ يومها الأول، بعدما واصلت التهديد باستخدام القوة ضد إيران، رغم أن البند الأول في الاتفاق كان ينص على الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها. وأضاف أن واشنطن عملت في الوقت نفسه على تطوير مسارات موازية، من بينها الملف اللبناني، وكذلك ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز، بهدف حرمان إيران من أهم أوراق الضغط التي تمتلكها.
وأشار إلى أن بعض البنود الأخرى في المذكرة لم تكن واقعية منذ البداية، ومنها الحديث عن إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار تموله دول الخليج أو حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لافتًا إلى أن هذه الدول أبدت تحفظها على الفكرة منذ اللحظة الأولى، كما أن الإدارة الأمريكية لم تكن مستعدة لرفع العقوبات بالكامل أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة منذ قيام الثورة الإيرانية، وهو ما أكدته تصريحات المسؤولين الأمريكيين منذ بداية الاتفاق.
وأضاف أن إيران، في المقابل، لم تكن مستعدة للتخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز، الذي وصفه بأنه "سلاح ذو تأثير عالمي"، نظرًا لما يمثله من ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد الدولي، كما أنها لم تكن مستعدة للتخلي نهائيًا عن برنامجها النووي أو تسليم اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة.
وأكد أحمدين أن الاتفاق افتقد أحد أهم عناصر الضمان، إذ لم يتم إبلاغ مجلس الأمن الدولي به وفق الإجراءات المتعارف عليها، كما لم يتم تحديد ضامنين دوليين للإشراف على تنفيذه، وهو ما جعله مجرد هدنة مؤقتة تهدف إلى منح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس، مع ترك المجال لكل طرف لتفسير بنوده بما يخدم جمهوره الداخلي.
وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رأى لاحقاً أن المذكرة تصب في مصلحة إيران أكثر من الولايات المتحدة، ولذلك بدأ في البحث عن مبررات للتراجع عنها، وهو ما تجسد خلال قمة حلف شمال الأطلسي، عندما أعلن انتهاء العمل بالمذكرة ووجه انتقادات حادة للقيادة الإيرانية، قبل استئناف العمليات العسكرية.
استهداف الخليج يخدم إسرائيل والولايات المتحدة
وفي تقييمه للتصعيد الحالي، قال أحمدين إن الردود الإيرانية، بما في ذلك استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وكذلك ردود الفعل من جانب الحوثيين في اليمن، تدخل ضمن دائرة التصعيد التي لا تثير قلق الولايات المتحدة طالما أنها لا تستهدف إسرائيل بشكل مباشر.
وأضاف أن توجيه الضربات نحو دول الخليج يخدم في النهاية المصالح الأمريكية والإسرائيلية، لأنه يعزز حالة العداء بين إيران والدول العربية، ويمهد لإحياء مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، الذي يقوم على اعتبار إسرائيل شريكاً أمنياً لدول الخليج في مواجهة إيران، وهي الفكرة التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز منذ تسعينيات القرن الماضي.
وأشار إلى أن استمرار الضربات الإيرانية تجاه دول الخليج، بغض النظر عن الطرف الذي بدأ التصعيد، يعيد إحياء هذه النظرية ويصب في مصلحة واشنطن وتل أبيب، خاصة في ظل عدم قدرة إيران أو عدم رغبتها في توجيه ضربات مباشرة لإسرائيل، سواء بسبب محدودية قدراتها العسكرية أو مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى أو لأسباب أخرى.
وأضاف أن المشهد الحالي مرشح للاستمرار إلى أن تدرك الإدارة الأمريكية أن سياسة التصعيد العسكري لن تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني أو إجبار طهران على الاستسلام أو التخلي عن أوراق قوتها، وعلى رأسها مضيق هرمز.
الترويج لتجنيد أحمدي نجاد حرب نفسية
وحول ما يتردد بشأن تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل، نفى أحمدين هذه الروايات، مؤكدًا أنها لا تستند إلى منطق.
وأوضح أن أحمدي نجاد يُعد من أكثر الشخصيات تشددًا داخل النظام الإيراني، ومن غير المألوف أن تكشف إسرائيل عن عملائها بهذه الطريقة، معتبراً أن هذه الأنباء تأتي في إطار الحرب النفسية ومحاولة الإيحاء بوجود انقسامات داخل النظام الإيراني، وهي الرسالة التي سعى كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترويجها منذ بداية الحرب.
وأشار إلى أن أحمدي نجاد كان الرئيس الإيراني السابق الوحيد الذي ظهر في جنازة المرشد الأعلى، بينما غاب عنها رؤساء سابقون آخرون، وهو ما يؤكد استمرار حضوره داخل النظام، مضيفًا أنه حتى لو افترضنا جدلاً عودته إلى السلطة، فإن ذلك لا يمكن اعتباره تغييرًا للنظام الإيراني، لأنه أحد أبناء الثورة الإسلامية، وتولى الرئاسة لفترتين، وكان معروفًا بمواقفه العدائية الشديدة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكشف أحمدين أنه التقى أحمدي نجاد شخصيًا خلال قمة حركة عدم الانحياز، عندما كانت مصر تسلم رئاسة الحركة إلى إيران، مؤكدًا أن خطاباته في الأمم المتحدة كانت من أكثر الخطابات تشدداً تجاه واشنطن وتل أبيب.
الغزو البري يحتاج مشاركة إقليمية واسعة
وفيما يتعلق باحتمالات توجيه ضربة برية لإيران، قال أحمدين إن أي عملية غزو بري لن تكون ممكنة دون مشاركة عدد من دول المنطقة، موضحًا أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تنفيذها اعتمادًا على الأسطول الأمريكي أو القوات البحرية فقط، وإنما ستحتاج إلى وجود ممرات برية عبر دول مجاورة.
وأشار إلى أن العراق وباكستان وتركيا ستكون أطرافًا رئيسية في أي سيناريو من هذا النوع، موضحًا أنه لا يتصور أن تسمح بغداد بشن غزو عبر أراضيها، باستثناء احتمال محدود يتعلق بالإقليم الكردي، الذي تربطه علاقات وثيقة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن تركيا سبق أن اعترضت على هذا السيناريو، واضطرت واشنطن في ذلك الوقت إلى مراعاة الموقف التركي.
وأضاف أن تنفيذ أي غزو بري يتطلب أيضًا استخدام القواعد الأمريكية الموجودة في دول الخليج بصورة معلنة وبموافقة رسمية من هذه الدول، وليس بصورة غير مباشرة كما يحدث حالياً.
ورأى أن الرئيس ترامب قد يلجأ إلى هذا الخيار إذا اعتقد أنه سيمنحه انتصارًا سياسيًا كبيرًا قبل الانتخابات، إلا أن جميع المؤشرات تؤكد أن هذه الخطوة تنطوي على مجازفة هائلة، قد تؤدي إلى خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات المقبلة.
وأكد في الوقت نفسه أنه لا يمكن استبعاد أي سيناريو يتعلق بترامب، نظرًا لصعوبة التنبؤ بقراراته، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي سبق أن هدد بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز ثم تراجع عن ذلك، وهو ما يعكس طبيعة قراراته المتقلبة.
خلافات داخل إدارة ترامب وتعقيدات تعرقل التهدئة
وأشار أحمدين إلى أن الحديث عن وجود انقسامات داخل النظام الإيراني يقابله وجود خلافات أكبر داخل الإدارة الأمريكية نفسها، لافتًا إلى وجود تقارير تفيد بأن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كان من بين المسؤولين الذين دفعوا ترامب إلى استئناف الحرب، من أجل حرمان نائب الرئيس جي دي فانس من تحقيق إنجاز سياسي، بعدما لعب دورًا في مفاوضات مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار.
وأوضح أن هذا الصراع يرتبط أيضًا بالطموحات الرئاسية داخل الحزب الجمهوري، إذ يسعى كل من فانس وروبيو إلى الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.
واختتم أحمدين تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمة مرشحة للاستمرار في ظل تشابك العوامل السياسية والعسكرية، وغياب أي أفق حقيقي للتهدئة، مشيرًا إلى أن الوساطة الصينية قد تمثل أحد الحلول إذا توافرت لها الظروف المناسبة والضمانات الكافية للطرفين، إلا أن التوتر الحالي بين واشنطن وبكين، خاصة بعد اتهامات ترامب الأخيرة للصين بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، يجعل فرص قيام بكين بهذا الدور محدودة في الوقت الراهن.