العائلة المقدسة.. كيف تحول مصر رحلة تاريخية إلى مقصد عالمي للسياحة الدينية؟
رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، أصبحت مشروعًا قوميًا متكاملًا تسعى الدولة المصرية من خلاله إلى إحياء أحد أهم مسارات الحج المسيحي في العالم، وهو الذي شهد مرور السيد المسيح عليه السلام والسيدة العذراء ويوسف النجار قبل أكثر من 2000 عامًا، يتحول اليوم إلى مشروع تنموي سياحي ثقافي متجاوزًا حدود السياحة التقليدية، ليعكس مكانة مصر باعتبارها أرض السلام والديانات والحضارات.
مشروع وطني برعاية القيادة السياسية
يحظى مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة باهتمام كبير من الدولة المصرية، باعتباره أحد المشروعات القومية ذات البعد الحضاري والديني والاقتصادي، وجاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة إزالة جميع المعوقات التي تواجه تنفيذ المشروع، وتسريع وتيرة تطوير المواقع الأثرية والدينية الواقعة على امتداد المسار، بما يضمن تقديم تجربة متكاملة للزائرين من مختلف أنحاء العالم، ويمثل المشروع أحد أهم محاور تنشيط السياحة الدينية، خاصة أن مسار العائلة المقدسة يُعد فريدًا من نوعه عالميًا، حيث لا يوجد بلد آخر احتضن السيد المسيح خلال طفولته خارج الأراضي المقدسة سوى مصر.
25 موقعًا على خريطة التطوير
تستهدف الخطة التنفيذية للمشروع تطوير 25 موقعًا أثريًا ودينيًا موزعة على المحافظات التي مرت بها العائلة المقدسة خلال رحلتها، ويمتد المسار من شمال سيناء شرقًا مرورًا بمحافظات الدلتا والقاهرة الكبرى ووادي النيل، وصولًا إلى محافظة أسيوط في صعيد مصر، حيث تقع آخر وأهم محطات الرحلة، ويشمل التطوير تحسين الطرق المؤدية إلى المواقع، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتطوير الخدمات السياحية، وتوفير وسائل الإرشاد والتفسير الحديثة، إلى جانب تجميل المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية.
مراحل التنفيذ.. من القاهرة إلى الصعيد
اعتمد المشروع على مراحل متتالية للتنفيذ والتشغيل، وشملت مرحلة التشغيل الأولى عددًا من أهم مواقع المسار، وفي مقدمتها:
- كنيسة القديسين سرجيوس وواخس (أبو سرجة).
- كنيسة السيدة العذراء بالمعادي.
- أديرة وادي النطرون التاريخية.
- دير السيدة العذراء بجبل الطير.
- دير المحرق.
- دير السيدة العذراء بدرنكة.
بينما تضمنت المراحل اللاحقة استكمال تطوير باقي المحطات الرئيسية مثل تل بسطا بمحافظة الشرقية وسمنود بالغربية وسخا بمحافظة كفر الشيخ وغيرها من المواقع المرتبطة بالرحلة
أكثر من مشروع سياحي
تكمن أهمية المشروع في أنه لا يقتصر على ترميم المواقع الأثرية أو الترويج للسياحة الدينية فقط، بل يمثل مشروعًا تنمويًا شاملًا يهدف إلى تحسين جودة الحياة للمجتمعات المحلية الواقعة على طول المسار، حيث يفتح المجال للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لخدمة الزائرين، كما يسهم في إحياء الحرف التراثية والصناعات اليدوية المرتبطة بالمناطق التاريخية، ويوفر فرص عمل جديدة لأبناء المحافظات التي يمر بها المسار.
تنمية المجتمعات المحلية
يرى المتخصصون أن أحد أهم جوانب المشروع يتمثل في قدرته على تحقيق التنمية المستدامة للمجتمعات المحيطة بالمواقع الأثرية، فمع تزايد أعداد الزائرين المتوقعين، تنشط قطاعات الإقامة والنقل والخدمات السياحية والصناعات الحرفية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي ويوفر مصادر دخل جديدة للسكان، كما تسهم أعمال التطوير في تحسين المرافق العامة والطرق والبنية الأساسية بالمناطق التي ظلت لسنوات بعيدة عن الخريطة السياحية التقليدية.
مصر على خريطة الحج المسيحي العالمي
يمثل مسار العائلة المقدسة فرصة استثنائية لتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الدينية العالمية، ففي الوقت الذي تستقبل فيه دول عديدة ملايين الحجاج سنويًا اعتمادًا على مواقع دينية محدودة، تمتلك مصر مسارًا متكاملًا يمتد عبر عشرات المواقع التي ارتبطت مباشرة برحلة السيد المسيح على أرضها، ولهذا تسعى الدولة إلى إدراج المسار ضمن أهم برامج الحج المسيحي الدولية، وربطه بمسارات السياحة الثقافية والأثرية، بما يعزز من القدرة التنافسية للمقصد السياحي المصري.
رسالة حضارية إلى العالم
يحمل المشروع رسالة أعمق من العوائد الاقتصادية والسياحية، إذ يؤكد أن مصر كانت وما زالت أرضًا للتسامح والتعايش والسلام، فالعائلة المقدسة وجدت في مصر الملاذ الآمن عندما أغلقت في وجهها أبواب كثيرة، واحتضنتها أرضها وشعبها، لتصبح هذه الرحلة جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية ومن الذاكرة الإنسانية المشتركة.
مسار يربط الماضي بالمستقبل
بعد أكثر من ألفي عام على رحلة العائلة المقدسة، تعود المواقع التي شهدت هذه الرحلة إلى الواجهة من جديد عبر مشروع قومي طموح يعيد اكتشاف واحد من أعظم الكنوز الروحية والحضارية في مصر، وبينما تتواصل أعمال التطوير والتأهيل، يبقى الهدف الأكبر هو تقديم مسار عالمي يليق بقيمة الحدث التاريخي الذي شهدته أرض مصر، ويعكس للعالم صورة بلد احتضن رسالة السلام والمحبة منذ فجر التاريخ، وما زال يحملها إلى اليوم.


