كيف بدأت؟.. رحلة العائلة المقدسة من سيناء إلى القاهرة (المرحلة الأولى)
رحلة العائلة المقدسة أحد أهم الموروثات الدينية المصرية، ويحل علينا اليوم 1 يونيو ذكرى احتفال الكنيسة المصرية والعالم بهذا الحدث الاستثنائي في تاريخ مصر، حيث جاء الأمر الإلهي والذي حمله الملاك جبرائيل كما تحرص الأدبيات المسيحية على هذا الوصف، إلى يوسف النجار قائلًا: “خذ الطفل وأمه السيدة العذراء مريم ويهرب بهما إلى مصر” وذلك هربًا من بطش الملك اليهودي هيرودوس، والذي كان يسعى لقتل كل طفل يولد لبني إسرائيل خوفًا على عرشًا.
المصادر الكنسية
ويقول تاريخ الكنيسة وعلى رأس مصادره، مخطوطة "الميمر" التي سجلها البابا ثاؤفيلس البطريرك 23 للكنيسة المصرية، إن رحلة العائلة المقدسة داخل مصر استمرت 3 سنوات وعدة أشهر، قطعت خلالها مسافات طويلة عبر سيناء ثم الدلتا ثم وادي النيل حتى أقصى جنوبي البلاد.
مصر في النبوءات القديمة
احتلت مصر مكانة خاصة في النبوءات الدينية السابقة لميلاد السيد المسيح عليه السلام، فقد وردت مصر في أسفار العهد القديم باعتبارها أرض الملجأ والأمان، وارتبطت الرحلة بالنبوءة الشهيرة، “من مصر دعوت ابني” وتلك النبوءة تحققت بدخول العائلة المقدسة مصر هربًا من المذبحة التي أمر بها هيرودس ضد أطفال بيت لحم، واعتبر المسيحيون الرحلة حدثًا فريدًا منح أرض مصر بركة خاصة، حتى ارتبطت بها عبارة “مبارك شعبي مصر” الواردة في سفر أشعياء.
بداية الطريق من الفرما
كانت أولى محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر هي الفرما، القديمة، المعروفة تاريخيًا باسم بلوزيوم، بين العريش وبورسعيد الآن، وهي إحدى أهم المدن الحدودية خلال العصر اليوناني والعصر الرومان، وهي بوابة مصر الشرقية منها دخلت العائلة المقدسة، وقبلها دخل الفرس، وبعدها دخل عمرو بن العاص، قبل الفرما، مرت العائلة بأرض غزة ثم اتخذت الطريق الساحلي حتى الزرانيق غربي العريش، لتبدأ مرحلة جديدة داخل الأراضي المصرية.
تل بسطا.. المدينة التي سقطت فيها الأوثان
اجتاز الركب الصغير المكون من يوسف النجار، وانثى حمار تحمل السيدة العذراء والسيد المسيح عليه السلام طفلًا أرض سيناء حتى تصل إلى مدينة تل بسطا قرب الزقازيق - شرقية، وهي أحد أهم مراكز عبادة المعبودة باستت المصرية القديمة.
وتروي التقاليد الكنسية أن الأوثان الموجودة في معابد المدينة سقطت وتحطمت عند دخول السيد المسيح إليها، الأمر الذي أثار غضب بعض سكان المدينة، فتعرضت العائلة لمعاملة قاسية دفعتها لمغادرة المكان سريعًا ومواصلة رحلتها جنوبًا، كما ظهرت عين ماء يُعتقد أن السيد المسيح باركها أثناء وجوده هناك.
مسطرد.. محطة الاستراحة والتطهير
اتجه الركب الصغير إلى مسطرد، وهي المنطقة المشهورة تاريخيًا باسم “المحمة”، أحد أهم محطات المسار، وتسمية المنطقة ترجع للاعتقاد أن السيدة العذراء قامت فيها بـ “تحميم” الطفل يسوع وغسل ملابسه، كما ارتبط المكان بظهور نبع ماء ظل جزءً من التراث الديني للموقع حتى اليوم.
بلبيس وشجرة العذراء
اتجه الركب الصغير إلى بلبيس في محافظة الشرقية، حيث استظلت تحت شجرة عرفت لاحقًا باسم شجرة العذراء، والتي تحظى بمكانة خاصة في الذاكرة المصريين، وارتبطت بإحدى أهم محطات الراحة خلال الرحلة، كما تشير التقاليد إلى أن العائلة مرت بها مرة أخرى أثناء رحلة العودة من مصر
سمنود.. استقبال شعبي وبركة خاصة
وعلى خلاف ما واجهته العائلة في بعض المناطق، حظيت باستقبال حافل عند وصولها إلى مدينة سمنود في قلب الدلتا، وتحتفظ المدينة بعدد من الشواهد المرتبطة بالرحلة، من بينها بئر باركه السيد المسيح عليه السلام، وماجور جرانيتي ضخم يُقال إن السيدة العذراء استخدمته في إعداد الطعام خلال فترة إقامتها هناك، وارتبطت سمنود في الذاكرة القبطية بكونها إحدى المدن التي استقبلت العائلة المقدسة بحفاوة وترحاب
سخا.. أثر القدم المقدسة
من سمنود تابعت العائلة رحلتها إلى مدينة سخا في محافظة كفر الشيخ، وهي من أبرز محطات المسار في شمالي مصر، وترتبط المدينة بحجر يحمل أثر قدم ينسب للسيد المسيح، وهو الأثر الذي منح المدينة اسمها القبطي “بيخا إيسوس” أي “قدم يسوع”، وظل الحجر مخفيًا لقرون طويلة قبل إعادة اكتشافه في العصر الحديث
وادي النطرون.. البذرة الأولى للرهبنة
اتجهت العائلة المقدسة إلى وادي النطرون، وهي المنطقة التي ستضم لاحقًا، أحد أهم مراكز الرهبنة المسيحية في العالم، ويرى المؤرخون أن مرور العائلة بالمكان أضفى عليه قدسية، وهو ما انعكس في ظهور الأديرة الكبرى التي أصبحت لاحقًا من أشهر المعالم الدينية في مصر والشرق المسيحي
نحو القاهرة.. نهاية المرحلة الأولى
مع مغادرة وادي النطرون بدأت العائلة المقدسة تتجه جنوبًا نحو ما نعرفه حاليًا بالقاهرة، والتي لم تكن موجودة في ذلك العصر، لتدخل مرحلة جديدة من الرحلة حملت بين جنباتها أهم المحطات التاريخية والأثرية المرتبطة بالعائلة المقدسة داخل العاصمة المصرية، وفي القاهرة ستشهد الرحلة أحداثًا جديدة، وستترك وراءها مواقع أصبحت اليوم من أبرز مزارات مسار العائلة المقدسة في مصر.


