عاجل

هل تحتاج مصر لعملات جديدة؟.. خبير يوضح تأثير التضخم وتراجع القوة الشرائية|خاص

الدكتور محمد بدرة
الدكتور محمد بدرة

قال الدكتور محمد بدرة، الخبير المصرفي، إن مسألة إصدار فئات نقدية جديدة أو إعادة النظر في هيكل العملة المحلية تُعد من القرارات المرتبطة بشكل مباشر بالسياسات النقدية التي يتولاها كل من البنك المركزي ووزارة المالية، مشيرًا إلى أن هذا النوع من القرارات لا يُبنى على اعتبارات شكلية فقط، وإنما يخضع لمجموعة من العوامل الاقتصادية الدقيقة، في مقدمتها تكلفة طباعة العملة ومستويات التضخم السائدة في الاقتصاد.

القيمة الحقيقة للعملة

وأوضح بدرة، في تصريحات خاصة، أن تطور مستويات الأسعار خلال السنوات الأخيرة انعكس بشكل واضح على القوة الشرائية للعملة المحلية، لافتًا إلى أن فئة الـ200 جنيه، وهي أكبر فئة نقدية متداولة حاليًا، لم تعد تحمل نفس القيمة الحقيقية التي كانت تتمتع بها في السابق، نتيجة تراجع القوة الشرائية وارتفاع مستويات التضخم، وهو ما يجعلها في التعاملات اليومية أقل تأثيرًا مما كانت عليه قبل سنوات.

وأضاف الخبير المصرفي أن هذا الواقع يدفع بعض الدول إلى التفكير في إدخال فئات نقدية أكبر، بهدف تسهيل المعاملات المالية اليومية وتقليل حجم النقد المتداول، مشيرًا إلى أن هناك تجارب في دول مجاورة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتمد على فئات نقدية أعلى ضمن هيكل عملتها، بما يتماشى مع طبيعة اقتصاداتها ومستويات الأسعار لديها.

تكلفة طباعة العملة 

وأشار بدرة إلى أن تكلفة طباعة العملة تمثل عنصرًا مهمًا في عملية اتخاذ القرار، موضحًا أن تكلفة إصدار فئة نقدية كبيرة مثل 500 جنيه قد تكون في بعض الحالات قريبة من تكلفة طباعة فئة 200 جنيه، وهو ما يفتح الباب أمام النقاش حول الجدوى الاقتصادية من إعادة هيكلة الفئات النقدية، بحيث يتم اختيار الفئات الأكثر ملاءمة من حيث الكفاءة الاقتصادية وتكلفة الإصدار والإدارة النقدية.

وتابع أن هذه القرارات لا تتعلق فقط بالجوانب الفنية أو الحسابات المالية المباشرة، بل ترتبط أيضًا باعتبارات السياسة النقدية وسلوك المجتمع في التعامل مع النقود، موضحًا أن زيادة الفئات النقدية الكبيرة قد يكون لها تأثير على ظاهرة اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي، وهو ما يستدعي دراسة دقيقة لتداعيات مثل هذه الخطوات على السيولة النقدية في السوق.

وأضاف أن صانعي القرار في المجالين النقدي والمالي يضعون في الاعتبار دائمًا سلوك الأفراد في استخدام النقد، لافتًا إلى أن وجود فئات كبيرة قد يسهل الاحتفاظ بكميات أكبر من الأموال خارج البنوك، وهو ما قد يؤثر على قدرة النظام المصرفي على تتبع التدفقات النقدية داخل الاقتصاد الرسمي.

تقليل الاعتماد على النقد الورقي

وفي المقابل، أشار بدرة إلى أن الاتجاه العالمي يتجه تدريجيًا نحو تقليل الاعتماد على النقد الورقي، في ظل التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والبطاقات البنكية، مثل بطاقات الائتمان والخصم المباشر، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن الواقع الفعلي في العديد من الأسواق الناشئة، ومنها السوق المصري، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التداول النقدي المباشر، ما يجعل إعادة النظر في هيكل العملة أمرًا قائمًا من الناحية العملية.

وتطرق الخبير الاقتصادي إلى بعض التجارب الدولية، موضحًا أن هناك دولًا مثل الهند لجأت في فترات سابقة إلى إعادة هيكلة العملة أو تغيير بعض فئاتها النقدية، في إطار سياسات تهدف إلى ضبط السيولة داخل الاقتصاد الرسمي ومحاولة تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي أو غير المرئي.

وأشار إلى أن مثل هذه السياسات، رغم الجدل الذي يحيط بها، قد تسهم في بعض الحالات في إدخال جزء من الأموال غير المعلنة داخل الدورة المصرفية الرسمية، حيث يُضطر حائزو النقد إلى استبدال أو إيداع أموالهم داخل البنوك، وهو ما يتيح للدولة قدرًا أكبر من الوضوح بشأن حجم السيولة الفعلية داخل الاقتصاد.

وأضاف بدرة أن بعض التقديرات تشير إلى وجود نسبة من الاقتصاد غير الرسمي خارج الدورة المصرفية الرسمية، وهو ما يجعل إدارة السياسة النقدية وإدارة النقد المتداول أمرًا شديد الحساسية، ويتطلب توازنًا دقيقًا بين ضبط السيولة وتشجيع النشاط الاقتصادي وعدم إحداث اضطرابات في السوق.

كشف جزء من الأموال غير المرئية 

وأوضح أن بعض الآراء المؤيدة لهذه السياسات ترى أنها قد تساعد في كشف جزء من الأموال غير المرئية داخل الاقتصاد، من خلال دفع أصحابها إلى التعامل مع النظام المصرفي الرسمي، سواء عبر الإيداع أو فتح حسابات بنكية، وهو ما يعزز من قدرة الدولة على تتبع التدفقات النقدية.

وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن هناك آراء أخرى تتحفظ على هذه الإجراءات، معتبرة أنها قد تكون معقدة في التطبيق أو قد تثير اضطرابات مؤقتة في الأسواق إذا لم تُنفذ ضمن إطار مؤسسي واضح ومدروس، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على النقد الورقي في معاملاتها اليومية.

وشدد الخبير المصرفي على أن أي قرار يتعلق بتغيير هيكل العملة أو إدخال فئات نقدية جديدة يجب أن يخضع لدراسة شاملة تتناول جميع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنقدية، مع تقييم دقيق للتأثيرات المحتملة على التضخم والسيولة وسلوك المستهلكين.

واختتم بدرة تصريحاته بالتأكيد على أن إدارة النقد المتداول داخل الاقتصاد تُعد من الملفات الحساسة التي ترتبط بشكل مباشر باستقرار الأسواق، وأن أي تعديل في هيكل العملة يجب أن يتم وفق رؤية متكاملة توازن بين اعتبارات الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات الاستقرار النقدي.

تم نسخ الرابط