عاجل

هل يُحاكم الفكر في الإسلام؟ أطروحة بالأزهر تفكك جدل الردة والحرية الدينية

أثناء مناقشة الرسالة
أثناء مناقشة الرسالة

أكدت دراسة علمية بعنوان "الحرية الدينية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الإقليمية والدولية: دراسة مقارنة"، لنيل درجة الدكتوراه بقسم الدراسات الإسلامية باللغة الفرنسية بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، أن المقاربة المعاصرة لملف الحرية الدينية باتت معيارًا عالميًا لقياس مشروعية الأنظمة وتقدم المجتمعات، في ظل تصاعد خطاب يعاني خلطًا واضحًا بين من يصور الإسلام كدين إكراه ومن يطرحه كدين تسامح مطلق بلا ضوابط.

وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحث مبارك حسين الإسناوي، أنها سعت إلى تفكيك هذه الإشكالات من خلال منهجية تكاملية جمعت بين المناهج الوصفي والتحليلي والتاريخي والمقارن، بهدف بناء أرضية معرفية مشتركة تنطلق من إبراز الكرامة الإنسانية في إطار مقاصد الشريعة، مع الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والدينية، دون السعي إلى تطويع الشريعة لتتوافق قسرًا مع النماذج الغربية، بل تأكيد قدرتها على محاورة المواثيق الدولية من موقع واثق.

تضمنت الدراسة أربعة فصول، أثبت الفصل  الأول والثاني الجذور الفلسفية للتباين بين المنظومتين؛ فالشريعة تنطلق من "المركزية الإلهية" (حيث الحرية منحة مسؤولة غايتها العبودية الواعية ومقيدة بكليات حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، في حين تنطلق المواثيق الدولية من "المركزية الإنسانية" والفردانية المطلقة التي تتعامل مع التدين كخيار استهلاكي عابر.

ورصدت الدراسة في فصلها الثالث مساحات تقاطع إنساني مبهرة؛ كالاتفاق على مرجعية الكرامة الإنسانية، وحظر الإكراه المادي استناداً للآية الخالدة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، والإجماع على الحماية المطلقة لـ "الفضاء الداخلي والسرائر" التي هي ملك لله وحده ولا ولاية للقضاء الدنيوي عليها ما لم تتحول إلى سلوك هدمي ظاهر.

وفي الفصل الرابع عرضت الدراسة  القضايا التطبيقية الشائكة (الإلحاد والتحول الديني)، وبالاستناد إلى فقه كبار المحققين المعاصرين (كالشيخ شلتوت والإمام الغزالي)، صاغت الدراسة تمييزاً حاسماً بين بعدين: الردة الفكرية المجردة: وهي تغير القناعة الباطنية دون تحريض أو سعي لهدم المجتمع، وهذه تعالج فكرياً بالحوار والاستتابة وتترتب عليها آثار مدنية بحتة دون عقوبة جنائية دنيوية، والردة المغلظة (الخيانة العظمى): المقترنة بالحرابة والتحريض الفعّال لتقويض النظام العام وتفتيت السلم الأهلي، وهي خيانة عظمى تستوجب العقوبة الجنائية للمفارقة للجماعة لا لمجرد الفكر، وهو تكييف مقاصدي يحل معضلات حقوقية معاصرة ويحفظ حق المجتمع وسياجه الأخلاقي.

كما أبرزت الدراسة عبقرية التشريع الإسلامي تاريخياً ودستورياً في كفالة حرية ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة لغير المسلمين، مستشهدةً بـ "صحيفة المدينة" و"العهدة العمرية" واستقلال المحاكم الملّية.

توصيات الدراسة 

اختتمت الدراسة  بجملة من التوصيات الاستراتيجية المرفوعة لصناع القرار والفكر، جاء في مقدمتها: فقهياً وتشريعياً: إدراج هذا التمييز المقاصدي بين الردة الفكرية والسياسية في صياغة القوانين الجنائية، وإدراج مقارنات نقدية بين المركزيتين الإلهية والإنسانية في مناهج حقوق الإنسان والدراسات واختتمت الدراسة بتوصيات شملت إدراج التمييز بين الردة الفكرية والسياسية في القوانين الجنائية، وتعزيز الدراسات المقارنة في مناهج حقوق الإنسان، وتفعيل مؤسسات الحوار الفكري والرعاية النفسية لمواجهة ظاهرة الإلحاد العابر.

وقد تألفت لجنة الحكم والمناقشة من الأساتذة: الدكتور خالد عبد العال أحمد عبد العال نصر (مشرفاً رئيساً)، وبمشاركة كل من الدكتور فرغلي محمد عبد اللطيف، والدكتور عبد الرحمن الخضري كأعضاء لجنة الإشراف المشارك، والدكتور أكرم أحمد لطفي السيسي، والدكتور عبد الحافظ أحمد طه، الذين أثنوا على رصانة الأطروحة وعمقها المعرفي وقرروا منح الباحث درجة العالمية (الدكتوراه)  بتقدير مرتبة الشرف الأولى.

حضر المناقشة لفيف من شيوخ العلم، والأساتذة، والباحثين، والمهتمين بالدراسات الحقوقية والشرعية المقارنة.وفي مقدمتهم الدكتور خالد عباس عميد الكلية، والدكتور محمد مدبولي وكيل الكلية، والدكتور محمد مهنا أستاذ القانون الدولي، ورئيس مجلس أمناء البيت المحمدي للتصوف، والدكتور خالد عبداللطيف عميد الكلية السابق، والدكتور سعيد عطية عميد الكلية الأسبق، والدكتور حسام بدر رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الألمانية، المشرف على قسم اللغة الإندونيسية.

تم نسخ الرابط