أحمد جمال عيد: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف المؤلف لا إلغاءه |حوار
أحمد جمال عيد استاذ التصميم والتواصل البصري ، وناقد وفنان تشكيلي، باحث فى التراث اللامادي والفن البصري.
صدر له 25 مؤلف بين الأدبي والاكاديمي المتخصص فى الفنون التشكيلية، ونشر 90 بحثا فى المجلات العلمية المحكمة، وحصل على العديد من الجوائز بينها جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي 2025 ، وجائزة الشارقة للابداع العربي مجال النقد 2015، وأفضل باحث عربي من جامعة أبو ظبي عام 2024، وجائزة اتحاد كتاب مصر والمجلس الاعلي للثقافة 2025.



من يملك العمل؟و من يساهم فيه.. وبأي درجة؟»
يرى أستاذ التصميم والتواصل البصري أ.د. أحمد جمال عيد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية داخل العملية الإبداعية، بل أصبح جزءًا من البنية التي يعاد عبرها تشكيل مفهوم المؤلف نفسه.
وفي كتابه «التصميم البصري في عصر الذكاء الاصطناعي»، يحاول تقديم قراءة فلسفية وقانونية وبصرية للتحولات التي أصابت الإبداع المعاصر، إلى جانب طرح نموذج EID ومؤشر EIDI بوصفهما محاولة عربية لقياس درجة الإسهام البشري داخل الأعمال الناتجة عن الأنظمة التوليدية.
في هذا الحوار، يتحدث عن أزمة المؤلفية، وحدود الإبداع الآلي، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.
بدايةً.. كيف جاءت فكرة الكتاب؟
جاءت الفكرة من إحساس متزايد بأننا نعيش تحولًا يتجاوز مجرد التطور التقني. فالقضية لم تعد مرتبطة باستخدام برامج جديدة أو أدوات أكثر تطورًا، بل بطبيعة الإبداع نفسه. لقد بدأت الخوارزميات تدخل إلى المنطقة التي ظل الإنسان يعتبرها، لوقت طويل، جوهر خصوصيته: الخيال وإنتاج المعنى.
ومع اتساع قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الصور والنصوص والتكوينات البصرية بدا لي أن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نستخدم التكنولوجيا؟ بل: من ينتج العمل الإبداعي الآن؟ ومن يمتلك المعنى داخله؟ ومن هنا بدأ مشروع الكتاب بوصفه محاولة لفهم التحول الذي أصاب مفهوم المؤلفية في العصر الرقمي.
هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يهدد المؤلف التقليدي؟
أعتقد أنه يهدد الصورة الكلاسيكية للمؤلف أكثر مما يهدد الإنسان نفسه. لقد قامت الثقافة الحديثة على فكرة أن هناك ذاتًا فردية تنتج العمل وتمنحه معناه الكامل، لكن الذكاء الاصطناعي جاء ليجعل هذه الصورة أقل استقرارًا.
فالعمل البصري اليوم قد ينتج عبر شبكة معقدة من العلاقات بين الإنسان والخوارزمية والبيانات والمنصة الرقمية. ولذلك أصبح من الصعب أحيانًا تحديد أين يبدأ الإبداع البشري، وأين ينتهي دور النظام. نحن لا نعيش اختفاء المؤلف بالمعنى المباشر، بل نعيش إعادة تعريفه.
في الكتاب تطرحون نموذج EID ومؤشر EIDI.. ما الذي يمثله هذا المشروع؟
أردت أن يتجاوز الكتاب حدود التأمل النظري فقط. هناك كثير من الطروحات التي تناقش الذكاء الاصطناعي فلسفيًا أو قانونيًا، لكنني شعرت أن التحول الحالي يحتاج أيضًا إلى أدوات تحليلية تساعد على فهم درجة الإسهام البشري داخل العمل الإبداعي.
ومن هنا جاء نموذج EID بوصفه إطارًا معياريًا لتحليل المؤلفية والأصالة في الأعمال الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، ثم تطور هذا الإطار إلى مؤشر EIDI، وهو محاولة لبناء أداة تساعد على قياس درجة الحضور الإبداعي البشري داخل العمل البصري.
الفكرة الأساسية هنا أن السؤال لم يعد: “هل هذا العمل من إنتاج الذكاء الاصطناعي؟”، بل أصبح: “ما مقدار الإسهام البشري داخله؟”. وهذه النقلة، في رأيي، أكثر دقة وعدالة من الأحكام المطلقة التي ترفض أو تقبل الأعمال بشكل كامل.
وهل يمكن فعلًا قياس المؤلفية؟
ليس بالمعنى الميكانيكي البسيط، لأن الإبداع الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معادلة جامدة، لكن يمكن بناء أدوات تساعد على فهمه بصورة أكثر منهجية.
مؤشر EIDI لا يدّعي أنه يحسم القيمة الجمالية للعمل، لكنه يحاول الانتقال من الأحكام الانطباعية إلى تحليل أكثر دقة. ولهذا يعتمد على مجموعة معايير مرتبطة بطبيعة التدخل الإبداعي البشري، والتحول الذي أحدثه المصمم داخل العمل، ومدى قابلية القرارات الجوهرية للنسبة إليه، إضافة إلى استقلالية النظام وشفافية بيئة التوليد والاندماج القصدي داخل الخطاب البصري.
ما يهمني هنا ليس تحويل الفن إلى أرقام، بل محاولة بناء لغة تحليلية جديدة تناسب طبيعة الإبداع في العصر الرقمي.
هل ترى أن هذه النماذج يمكن أن يكون لها حضور فعلي مستقبلًا؟
أعتقد أن ذلك سيصبح ضروريًا. نحن نقترب من مرحلة ستصبح فيها قضايا الملكية الفكرية والتحكيم الأكاديمي والنزاعات القانونية مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة المؤسسات على فهم درجة التدخل البشري داخل العمل المنتج بالذكاء الاصطناعي.
ولهذا حاول الكتاب أن يطرح تطبيقات عملية للمؤشر في مجالات مثل تقييم الأعمال التصميمية، وتحليل مشاريع الطلاب، والتحكيم الأكاديمي، وحتى دعم القضايا القانونية المرتبطة بحقوق المؤلف.
المشكلة اليوم ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في غياب أدوات قادرة على فهم حضوره داخل العملية الإبداعية.
لكن هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تراجع قيمة الإنسان داخل العملية الإبداعية؟
الخطر الحقيقي ليس اختفاء الإنسان، بل تراجع قيمة المعنى نفسه. نحن نعيش في زمن أصبحت فيه القدرة على إنتاج الصور والنصوص شبه غير محدودة، لكن وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة عمق التجربة.
فالخوارزمية تستطيع إنتاج صورة حزينة، لكنها لا تشعر بالحزن. ويمكنها كتابة نص عن الفقد، لكنها لا تعيش الخسارة. وهنا يبقى الفرق الجوهري بين الإنسان والنظام.
الإنسان لا ينتج الشكل فقط، بل يمنحه معنى نابعًا من تجربة معيشة، من الذاكرة، والخوف، والرغبة، والقلق، والأسئلة الوجودية التي لا يمكن اختزالها في بيانات.
أخيرًا.. هل انتهى عصر المؤلف؟
لا أعتقد أنه انتهى، لكنه بالتأكيد يتغير بصورة جذرية. المؤلف لم يعد ذلك الكيان المنعزل الذي يحتكر إنتاج العمل من بدايته إلى نهايته، بل أصبح أقرب إلى من يوجّه العملية الإبداعية، ويختار، ويؤوّل، ويمنح العمل رؤيته الإنسانية داخل هذا الفيض الهائل من الإمكانات التي تنتجها الخوارزميات.
لقد تغيّر موقع الإبداع، لكن الإنسان ما يزال حاضرًا في مركز السؤال.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الأهم اليوم: “هل تستطيع الآلة أن تنتج؟”، بل: “كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على المعنى داخل عالم تزداد فيه قدرة الآلة على إنتاج الأشكال؟”