عاجل

صحافة بلا صحفيين.. كيف صنع الذكاء الاصطناعي إعلاما مضللا في أمريكا؟

الإعلام الكاذب
الإعلام الكاذب

حذرت صحيفة "ذا فلوريدا تريب" الأمريكية من تنامي ظاهرة المواقع الإخبارية الوهمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، كاشفة عن شبكة رقمية واسعة تنتحل صفة وسائل إعلام محلية في عدة ولايات، وتنشر محتوى مُعادا توليده تقنيا، في خطوة وصفها خبراء بأنها تهديد مباشر للديمقراطية والنظام الإخباري وللثقة العامة في الإعلام.

وجاء التحذير بناء على تحقيق أعدته الصحفية كيت باين بالشراكة مع بودكاست التكنولوجيا والإعلام "كويستشن إفريثينغ"، حيث ركز التحقيق على منصة تحمل اسم "ساوث فلوريدا ستاندرد"، قدمت نفسها كعلامة إخبارية نشطة يقودها صحفيون محترفون في جنوب ولاية فلوريدا، وتنشر ما يصل إلى ثلاث مواد يوميا في ملفات الموازنة والصحة النفسية الحكومية، قبل أن يتبين أن فريقها التحريري بالكامل، بما في ذلك رئيسة التحرير "صوفيا ديلغادو"، شخصيات وهمية أُنشئت سيرتها الذاتية وصورها بأدوات الذكاء الاصطناعي.

صورة مؤرشفة للموقع بعد ان تم حذفه من الانترنت

مواقع إخبارية وهمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تهدد الإعلام الأمريكي

وكشف التحقيق أن المواد المنشورة لم تكن نتاج عمل صحفي ميداني، بل جرى نسخها من مؤسسات إعلامية حقيقية وإعادة صياغتها عبر التقنية، كما تبين أن حسابات "الصحفيين" الوهميين على منصات التواصل أُنشئت مطلع عام 2026 دون نشاط فعلي، مع رصد حالات استخدمت فيها أسماء لأشخاص حقيقيين مدانين سابقا في قضايا احتيال، وقد سارعت إدارة الموقع لحذف السير الذاتية وتعديل المحتوى فور بدء التحقيقات، قبل أن يختفي الموقع تماماً من الإنترنت وتتبقى منه نسخ مؤرشفة فقط.

وفي تتبع للجهة التقنية التي تقف وراء الشبكة، استعانت الصحيفة بخبراء منهم كيسي فريشيت، أستاذ الصحافة بجامعة جنوب فلوريدا، والذي أكد وجود ارتباط برمي وبصمات رقمية موحدة تربط هذا الموقع بـ 17 منصة مشابهة تدار من جهة واحدة في عدة ولايات، مثل نيويورك ونيوجيرسي وفيلادلفيا، وحتى مجلة طبية في هاواي، وقاد التحليل البرمي إلى شركة إدارة السمعة الرقمية "ذا ديسكفربيلتي كومباني" التي يملكها رجل الأعمال الأمريكي درو تشابين، المدان سابقاً عام 2021 في قضية احتيال على مستثمرين.

صفحة أنستغرام الخاصة بالموقع غير مفعلة رغم إنشاءها منذ عام

وأقر تشابين في التحقيق بمسؤوليته عن هذه الشبكة، واصفا إياها بأنها "تجربة" لبناء سلطة رقمية جغرافية واختبار خوارزميات محركات البحث، بهدف التحكم في السرديات وإزاحة النتائج السلبية عن رادارات البحث، موضحا أن إنتاج منصة إخبارية كاملة بشعار ومقالات وفريق مزيف بات أمراً سهلاً ومتاحاً خلال أقل من 15 دقيقة وبكلفة زهيدة.

تريندز للأبحاث والاستشارات - الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإعلام بين التمكين والتحيز

وربط التحقيق بين انتشار هذه المواقع والتراجع الحاد للصحافة المحلية الأمريكية التي شهدت إغلاق آلاف الصحف وتسريح الموظفين، مستشهدا ببيانات شركة "نيوزغارد" التي أظهرت أن عدد مواقع "بينك سلايم" المضللة المتنكرة كإعلام محلي قد تجاوز بالفعل عدد الصحف اليومية الحقيقية في الولايات المتحدة.

وفي تقييم الأثر، حذرت كيلي ماكبرايد، نائبة رئيس معهد "بوينتر" للإعلام الرقمي، من أن هذه المواقع لا تهتم بالحقيقة بل تضعف النظام الإخباري برمته، بينما أشار كيفن دي لوكا، أستاذ الإعلام في جامعة ييل، إلى خطورة استخدام هذه المنصات مستقبلا لأغراض سياسية وتجارية ونشر الدعاية الموجهة للتأثير على الرأي العام في الحملات الانتخابية، وسط بيئة معلوماتية هشة وتراجع مستمر في ثقة الجمهور بالصحافة التقليدية.

تم نسخ الرابط