هل فقدت إسرائيل السيطرة على جيشها؟.. إليكم ما يحجبه الاحتلال عن العالم
كشفت تقارير استخباراتية وقضائية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن أزمة عميقة وغير مسبوقة تتعلق بتآكل "الانضباط العملياتي" وبروز سلوكيات باتت تُوصف داخل أروقة صناعة القرار في تل أبيب بأنها "وصمة عار أخلاقية وتنظيمية"، وذلك في خضم الحرب المطولة متعددة الجبهات التي تخوضها إسرائيل منذ أكتوبر 2023 في قطاع غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا.
ولم تعد هذه التجاوزات مجرد حوادث فردية معزولة، بل تحولت إلى نمط سلوكي متزايد يعيد إلى الواجهة التساؤل الجوهري: "هل يعكس هذا التراكم خللا مؤقتا أملته ضغوط حرب الاستنزاف الطويلة؟ أم أنه امتداد لخصائص بنيوية و"حمض نووي" ميليشياوي رافق تأسيس الجيش الإسرائيلي ولا يزال كامناً في ثقافته البرية؟"

جذور ميليشياوية: إرث "اليشوف" والثقافة البرية
لتفكيك هذه الظواهر، يقدم "دليل راوتليدج للأمن الإسرائيلي" (الصادر عام 2019 بمشاركة نخبة من الأكاديميين والعسكريين الإسرائيليين والدبلوماسيين الأمريكيين مثل السفير السابق دانيال كيرتزر) إطارا تفسيريا هاما.
ففي الفصل الثالث من الكتاب، يشير مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق والجنرال المتقاعد، يعقوب عميدرور، إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يزال محكوما بمبادئ وثقافة صيغت مطلع الخمسينيات، إبان دمج الميليشيات الأربع المسلحة (الهاغاناه، والبالماخ، والإرغون، وشتيرن) التي شكلت مجتمع "اليشوف" اليهودي قبل عام 1948.

ويوضح عميدرور أن "ثقافة الجيش الإسرائيلي تفضل المهارة الارتجالية على التعلم من التاريخ، وتميل إلى الجرأة في تجاوز القواعد والأنظمة"، وهي سمات منقولة مباشرة من فكر الميليشيات التأسيسية.
وبحسب تحليله، فإن هذا التراخي التنظيمي يتركز بشكل أساسي في القوات البرية، على النقيض من القوات الجوية التي تبنت انضباط سلاح الجو الملكي البريطاني الصارم، أو البحرية التي تتبع التقاليد الإيطالية، حيث تفرض التكنولوجيا المتقدمة والدقة الفنية في سلاح الجو والمدرعات حوكمة مركزية، بينما يُترك لقادة المشاة في الميدان هامش واسع من المبادرة الفردية والارتجال التكتيكي، والذي غالبا ما يأتي على حساب اللوائح القانونية.
![جنود إسرائيليون يعتقلون فلسطينياً خلال عملية تفتيش نفذتها القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية [رويترز/موسى قواسما]](https://i0.wp.com/www.middleeastmonitor.com/wp-content/uploads/2016/09/2016-09-20T142459Z_1_LYNXNPEC8J0X8_RTROPTP_3_ISRAEL-PALESTINIANS.jpg?fit=800%2C545&ssl=1)
ويعزز هذا الخلل البنيوي عاملان رئيسيان:
- تسريع الترقيات: نظام التجنيد الإلزامي المبكر (18-21 عاما) يدفع بشبان قليل الخيرة إلى الجبهات، ويتم ترفيعهم سريعا إلى مواقع قيادية ميدانية دون تكوين نظري أو منهجية عسكرية كافية.
- نموذج "جيش الشعب": الاعتماد الكاسح على قوات الاحتياط (من هم دون سن الـ45) يضخم الوحدات البرية بعناصر تفوق الجنود النظاميين عددا، وتتسم بطبيعتها بضعف الانضباط مقارنة بالوحدات النظامية المحترفة.
من "سدي تيمان" إلى نهب الجنوب اللبناني
تتجلى ثقافة التمرد على القانون العسكري والارتجال الميداني في عدة ملفات وقضايا عاصرتها الجبهات المختلفة خلال العامين الماضيين:
- قضية معتقل "سدي تيمان" وسقوط آليات المحاسبة
شكلت حادثة تعذيب واغتصاب أحد الأسرى الفلسطينيين في معتقل "سدي تيمان" (قرب بئر السبع) في يوليو 2024 منعطفا خطيرا، ليس فقط لبشاعة الجريمة التي سُربت بالفيديو وأثارت غضبا دوليا، بل لطبيعة رد الفعل المؤسسي والشعبي داخل إسرائيل.
فعندما توجهت الشرطة العسكرية لتوقيف 10 جنود احتياط مشتبه بهم، واجهوا المحققين بالرفض والفرار، وتدخلت عناصر ملثمة من "القوة 100" الخاصة للاعتداء على المحققين.
وتفاقمت الأزمة باقتحام مستوطنين ونواب في الكنيست ووزراء (أبرزهم إيتمار بن غفير الذي وصف المتهمين بـ"خيرة أبطالنا") للمحكمة العسكرية في "بيت ليد" تضامنا مع الجنود.
وانتهى المشهد بإسقاط التهم والاتخاد بإجراءات عقابية ضد المدعية العسكرية العامة يفعات يروشالمي، التي اتُهمت بالكذب وتسريب الفيديو وتم تجريدها من رتبتها ووضعها قيد الإقامة الجبرية بعد استقالتها، مما عكس عجز المؤسسة العسكرية عن فرض سيادة القانون على منتسبيها.

- تفشي ظاهرة النهب واستباحة الممتلكات في جنوب لبنان
كشفت شهادات نشرتها صحيفة "هآرتس" العبرية في أبريل 2026 عن تحول عمليات نهب الممتلكات المدنية في القرى اللبنانية المهجورة (دراجات نارية، مشغولات ذهبية، أجهزة إلكترونية، سجاد) إلى ممارسة علنية شبه اعتيادية. ويقوم الجنود بتحميل السرقات على المركبات العسكرية بعلم مستويات القيادة وبموجب "تساهل مؤسسي" يكتفي بالتوبيخ الشفهي.
وعزت التقارير هذا التفشي إلى إزالة نقاط التفتيش التابعة للشرطة العسكرية على المحاور، وتبني الجنود لمنطق تبريري يرى أن هذه القرى مستباحة وستُدمر لاحقاً، مما جعل الانضباط رهنا بشخصية القائد الميداني لا بالنظام المؤسسي الصارم.
وفي محاولة لاحتواء التنديد الدولي الذي رافق واقعة قيام جنود بتحطيم تمثال السيد المسيح في قرية "دبل" الجنوبية، لجأت السلطات إلى "محاسبة انتقائية" عبر سجن الجندي المنفذ 30 يوما، وتعيين السفير السابق جورج ديك مبعوثا خاصا للعالم المسيحي في خطوة وصفت بأنها بروباغندا سياسية وإعلامية لتلميع الصورة دون معالجة جذور العقيدة القتالية.

- الفساد والتهريب عبر المعابر الحساسة
لم يقتصر التراخي على السلوك الميداني، بل وصل إلى استغلال المواقع العسكرية الحساسة لتحقيق مكاسب مالية شخصية، حيث تم إعلان اعتقال ضابط برتبة رائد في أبريل 2026 متورط في تلقي رشاوي بقيمة 5 ملايين شيكل (نحو 1.3 مليون دولار) لتسهيل تهريب شاحنة محملة ببضائع محظورة (هواتف، سجائر، ألواح شمسية) إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم بتواطؤ وتضليل لجنود المعبر.
وجاءت هذه القضية بعد أقل من 3 أشهر على توجيه تهم مماثلة لـ12 إسرائيليا بالتهريب، من بينهم شقيق رئيس لواء المشاة "ديفيد زيني"، مما كشف عن ثغرات أمنية في منظومة الرقابة المشددة.

- أيديولوجيا السلاح: نموذج كتيبة "نيتساح يهودا"
تعد كتيبة "نيتساح يهودا" (المشكلة من عناصر الحريديم المتطرفين) نموذجا واضحا لكيفية تأثير الخلفيات الأيديولوجية على تغييب الانضباط العسكري، حيث ارتبطت الكتيبة بجرائم استخدام مفرط للقوة وقتل مدنيين دون تهديد، كان أبرزها التنكيل بالمسن الفلسطيني الأمريكي عمر أسعد (78 عاما) عام 2022 وتركه مكبلا حتى الموت، وهي الحادثة التي كادت تدفع إدارة بايدن لفرض عقوبات عليها بموجب "قانون ليهي".
وبدلا من تفكيك هذه الظاهرة، اكتفت القيادة بنقل الكتيبة تدريجيا من الضفة إلى الجولان ثم إلى قطاع غزة عام 2024، مما يبرز صعوبة فرض نمط انضباط موحد على وحدات محكومة بخلفيات عقائدية يمنية.
"تقرير باروخ" واعترافات القيادة العليا
أمام هذه الحقائق المتلاحقة، اضطر الجيش الإسرائيلي لإجراء مراجعات داخلية، حيث أعد فريق من الخبراء بقيادة الجنرال (احتياط) موتي باروخ تقريرا حول "الانضباط العملياتي والثقافة العسكرية في القتال"، رصد خروقات تمس جوهر الأمن العسكري، مثل الاستخدام العشوائي للهواتف الذكية ونشر مقاطع ميدانية على الفضاء الرقمي، وتشغيل أسلحة غير ملائمة، وإدخال مدنيين (حاخامات، ناشطين سياسيين من الليكود، وصحفيين) إلى جبهات القتال دون تصاريح عملياتية.
وكان الحادث الأبرز والأكثر إحراجا للقيادة هو مقتل عالم الآثار المسن زئيف إيرلتش (71 عاما) والرقيب غور كاهتي في جنوب لبنان بعمق 5 كيلومترات، بعدما قام رئيس أركان لواء جولاني، العقيد يوآف ياروم، بإدخاله بشكل غير قانوني لزيارة موقع أثري، مما أسفر عن اشتباك مع عناصر حزب الله ومقتلهما، واضطرار العقيد ياروم للاستقالة لاحقا بعد ثبوت الإخفاق الجسيم للقيادة.

خطة "زامير" ومستقبل "جيش الشعب"
دفعت هذه التقييمات برئيس الأركان، إيال زامير، إلى عقد اجتماع طارئ مع كبار القادة والجنرالات في مايو، حذر فيه صراحة من أن الجيش يواجه تراجعا حادا في الالتزام بقيمه، واصفا ما يحدث في لبنان وغزة بأنه "وصمة عار".
وأعلن زامير عن حزمة إجراءات تضمنت:
- إنشاء مديرية تابعة لمكتب "المدعي العسكري" مخصصة للتحقيق في تجاوزات السلوكيات الميدانية والنهب.
- إلزام قادة الكتائب بتقديم تقارير تحضيرية وتحقيقات داخلية حول وحداتهم في غضون أسبوع.
- فرض قيود صارمة على استخدام الزي العسكري في الفضاء الرقمي وشارات الرتب التي تحمل رسائل سياسية أو دينية.
ورغم هذه التحركات، يرى خبراء أمنيون، ومنهم كبير علماء النفس السابق في الجيش الإسرائيلي، رؤوفين غال، أن هذه الأزمة مرشحة للتفاقم في مرحلة ما بعد الحرب، إذ إن رغبة الكثير من جنود الاحتياط في مغادرة الخدمة نتيجة الإنهاك، والحاجة الملحة لتوسيع حجم الجيش، ستجبر القيادة على تخفيف معايير التجنيد والتدقيق، مما يعني مزيدا من التآكل في الانضباط.



