الغش ليس مجرد ورقة صغيرة يخبئها طالب داخل لجنة امتحان، بل أصبح أسلوب حياة يتخفّى في وجوه كثيرة وعلاقات أكثر. فهناك من يغش في مشاعره، ومن يغش في وعوده، ومن يبيع للناس صورة ليست حقيقته، حتى صارت بعض العلاقات الإنسانية قائمة على “الفلاتر” أكثر من الصدق، وعلى التمثيل أكثر من المشاعر الحقيقية.
أصبح الإنسان يعيش وسط عالم مزدحم بالأقنعة؛ صديق يبتسم وهو يحصي أخطاءك، ومسؤول يتحدث عن الضمير وهو يفاوضه كل صباح عادى جدا، وشخص ينشر الحكمة على مواقع التواصل ثم يعجز عن تطبيق سطر واحد منها في حياته. حتى المجاملات نفسها تحولت أحيانًا إلى نوع راقٍ من الغش الاجتماعي، فصرنا نبالغ في المدح لا حبًا، بل هربًا من الصراحة.
والغريب أن المجتمع يهاجم الغش حين يظهر في ورقة امتحان، لكنه يتسامح معه ويقبله حين يرتدي بدلة أنيقة أو يكتب بوست مؤثرًا. فالغش الإلكتروني في الثانوية العامة ليس سوى نسخة حديثة من مرض قديم؛ الفرق فقط أن “السماعة” أصبحت أصغر، بينما الضمير صار أكثر صمتًا.
وفي موسم الامتحانات تحديدًا، يتحول بعض الطلاب إلى خبراء اتصالات وتكنولوجيا أكثر من مهندسي الأقمار الصناعية؛ هذا يخبئ الهاتف داخل الحذاء، وآخر يبتكر طريقة عبقرية لاستخدام السماعة، وكأن المستقبل العلمي للأمة متوقف على تهريب إجابة سؤال الكيمياء! والمفارقة أن كثيرًا منهم لو بذل نصف هذا المجهود في المذاكرة لنجح دون الحاجة لكل هذه المؤامرات الإلكترونية.
لكن القضية الحقيقية ليست في طالب غش داخل لجنة، بل في مجتمع أحيانًا يربط قيمة الإنسان بالمجموع فقط، فيدفع البعض إلى الاعتقاد بأن النجاح أهم من الاستحقاق، وأن الوصول إلى القمة يبرر أي وسيلة. وهنا يصبح الغش مجرد عرض لمرض أعمق اسمه “الخوف من الفشل” و”عبادة المظاهر”.
إن أخطر أنواع الغش ليس ما يتم في الامتحانات، بل ما يحدث حين يغش الإنسان نفسه، فيقنعها أنه ناجح وهو فارغ، أو محبوب وهو يمثل، أو صادق وهو يرتدي قناعًا جديدًا كل يوم. فالورقة المزورة قد تسقط بعد ساعات، لكن الحياة دائمًا تكتشف المزيفين ولو بعد حين.