عاجل

بعد الأزمة الإقتصادية.. مقاهي إيران تدفع فاتورة الحرب مع أمريكا وإسرائيل

مقاهي إيران
مقاهي إيران

تلقي الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران بظلال قاتمة على المقاهي وثقافتها المتجذرة، دافعة إياها نحو حافة الانهيار، في وقت تجبر فيه قفزات الأسعار وتآكل المداخيل أصحاب الأعمال والزبائن على حد سواء على تقديم تنازلات قاسية وتقليص نفقاتهم.

ونقلت صحيفة "دنياي اقتصاد" اليومية الإيرانية،  المعنية بالشؤون الاقتصادية، عن محسن مبرا، رئيس اتحاد المقاهي والمطاعم في طهران، عن تضاعف التكاليف التشغيلية للمقاهي بأكثر من مرتين، بالتزامن مع تراجع أعداد الرواد بنسبة تصل إلى 50% خلال الأشهر القليلة الماضية، مما أسفر عن إغلاق ما يقرب من 40% من هذه المنشآت.

وأوضح مبرا أن استمرار العمل لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح؛ فالعوائد في هذا القطاع تتقلص باطراد، ونتيجة لذلك، فإن المقاهي التي تعتمد على مقار مستأجرة أو تفتقر إلى دعم مالي قوي تسير بخطى متسارعة نحو الإغلاق الكامل.

على مدار العقدين الماضيين، تحولت المقاهي إلى جزء أصيل من النسيج الحضري للحياة اليومية في إيران، حيث نمت وتجذرت أولا في العاصمة طهران قبل أن تنتشر في شتى أنحاء البلاد.

وفي ظل محدودية خيارات الترفيه منخفضة التكلفة، برزت المقاهي كواحدة من المساحات العامة النادرة المتاحة للشباب الإيراني للتواصل الاجتماعي، والعمل، وقضاء الوقت خارج أسوار المنازل.

ولم تقتصر هذه الأماكن على تقديم القهوة والوجبات الخفيفة، بل تطورت لتصبح مراكز ثقافية مصغرة تحتضن الأمسيات الشعرية، والعروض الموسيقية المستقلة، ومعارض التصوير الفوتوغرافي، واللقاءات غير الرسمية؛ لتشكل بذلك متنفسا حيويا للتفاعل المجتمعي في زمن انحسرت فيه المساحات العامة المفتوحة.

وحتى أشهر قليلة مضت، كانت طهران وحدها تضم نحو 6,000 مقهى بمختلف الأحجام، غير أن الانهيار الحاد في القوة الشرائية للمستهلكين ضرب هذا القطاع في مقتل.

تقول ساناز (28 عاما)، والتي تعمل موظفة استقبال في إحدى الشركات الخاصة، إنها كانت تعتاد زيارة المقاهي برفقة أصدقائها عدة مرات في الأسبوع.

ومع الارتفاع الحاد في تكاليف الغذاء والنقل والسكن، أصبحت حتى هذه المتعة البسيطة تتطلب حسابات مادية دقيقة.

وتضيف ساناز يتعين علي حساب كل نفقة بدقة متناهية، حتى وإن كانت تسلية بسيطة كهذه، لمجرد التمكن من البقاء حتى نهاية الشهر، هذا بفرض أنني لن أفقد وظيفتي».

وتتابع: “فإذا خسرت عملي، سأضطر بعد سنوات من الاستقلال المالي إلى العودة للعيش في منزل والدي بمسقط رأسي”.

تسريح العمالة وشبح البطالة

ولم توقف تداعيات هذا الركود عند حدود الإغلاق، بل امتدت لتلتهم فرص العمل، لاسيما بين فئات الشباب والنساء.

شانا (26 عاما)، التي خضعت لتدريب مهني متخصص كـ "بارسيتا" أي صانعة قهوة قبل أن تجد فرصة عمل في أحد فروع سلسلة مقاهي "ساعدي نيا" الشهيرة، تروي تجربتها بكثير من الأسى.

ففي يناير الماضي، أغلقت فروع السلسلة بشكل مفاجئ عقب إعلان مالكها تأييده للمحتجين المعارضين، لتندلع الحرب بعد ذلك بوقت قصير.

وتقول شانا أنه حتى المقاهي التي نجت من الإعصار الاقتصادي توقفت تماما عن توظيف دماء جديدة، بل إن الكثير منها يتجه الآن لتسريح موظفيه الحاليين.

وتكمل شانا بإحباط: “ليس لدي أي أمل في العثور على وظيفة حتى لو تعلمت مهارات جديدة كالطهي أو غيره؛ فالإقتصاد يتدهور يوميا، وسوق العمل ينكمش بوضوح”.

القهوة.. رفاهية تفوق القدرة الشرائية

وفي حين يتربع الشاي على عرش المشروبات التقليدية في إيران، إلا أن استهلاك القهوة شهد نموا متسارعا خلال السنوات الأخيرة.

لكن الطفرة الحالية في أسعار العملات الأجنبية واضطراب حركة الاستيراد رفعت أسعار البن إلى مستويات قياسية، مما دفع العديد من الأسر الإيرانية إلى تقليص استهلاكها أو الإقلاع عنه تماما.

ورغم التراجع الذي تشهده أسعار القهوة عالميا، فإن تكلفة حبوب البن في إيران  والتي تستورد غالبيتها عبر دولة الإمارات العربية المتحدة قبل اندلاع الحربتضاعفت تقريباً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وانعكس هذا الارتفاع مباشرة على قائمة الأسعار داخل المقاهي؛ ومع صعود الإيجارات والنفقات الأخرى، قفز سعر كوب القهوة في بعض الأماكن إلى أربعة أضعاف.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "دنياي اقتصاد" عن أحد أصحاب المقاهي قوله إن حتى المقاهي المتخصصة في المشروبات الأساسية باتت تواجه تراجعا حادا في الطلب، نظرا لأن الكثير من الناس لم يعد بمقدورهم تحمل كلفة الخروج لمجرد احتساء القهوة.

ولم تقتصر الأزمة على الأفراد؛ إذ امتدت إلى بيئات العمل والشركات بشكل ملموس.

تفيد تارا، المديرة التنفيذية لشركة إعلانات تضم عشرة موظفين، بأن القهوة أصبحت باهظة الثمن لدرجة جعلت توفيرها للاستهلاك المكتبي أمرا شاقا، قائلة: “لأول مرة منذ عشرين عاما، اضطررت للتوقف عن شراء القهوة لمطبخ المكتب، حيث كانت تقدم دائما للموظفين إلى جانب الشاي”.

وأكدت  تارا أن الأمر لا يتعلق بأسعار القهوة فحسب، فمنذ اندلاع حرب الصيف الماضي، تشهد الأعمال حالة جمود وشلل شبه تام؛ حيث ألغى العملاء نصف المشاريع المتعاقد عليها، والجميع يدرك أن الشركة تلفظ أنفاسها الأخيرة، إذا استمر هذا الوضع، فلن يكون أمامنا خيار سوى إغلاق أبوابنا نهائيا.

تم نسخ الرابط