علي جمعة: التوبة وعي جديد يعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه ونفسه وحياته
أكد علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن مفهوم التوبة في الإسلام أوسع بكثير مما يعتقده البعض، موضحًا أن التوبة لا تقتصر على ترك ذنب أو معصية ظاهرة، وإنما هي حالة دائمة من الرجوع إلى الله، ومراجعة النفس، ومحاسبة الإنسان لأعماله وسلوكه ونواياه.
وأوضح مفتي الجمهورية الأسبق أن كثيرًا من الناس يختزلون معنى التوبة في أمور تتعلق بالمعاصي فقط، بينما حقيقتها أعمق من ذلك، فهي – بحسب وصفه – نقد ذاتي صادق، ورقابة مستمرة على التصرفات والعلاقات والأعمال، وسعي دائم لتصحيح الطريق والعودة إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
التوبة سلوك عملي يعيشه المؤمن في حياته اليومية
وأشار إلى أن التوبة ليست مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هي سلوك عملي يعيشه المؤمن في حياته اليومية، يراجع فيه تقصيره، ويحاسب نفسه على أفعاله، ويتأمل في علاقته بربه وبالناس وبعمله، متسائلًا دائمًا: هل هذا العمل يرضي الله؟ وهل هذا القول نافع وعادل وأمين؟
واستشهد علي جمعة بحديث النبي ﷺ: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة»، موضحًا أن توبة النبي ﷺ لم تكن من معصية، حاشاه، وإنما كانت تعبيرًا عن دوام الرجوع إلى الله وتجديد الصلة به، وتعليمًا للأمة أن الإنسان مهما بلغ من المكانة لا يستغني عن محاسبة نفسه ومراجعتها.
وأضاف أن المؤمن يحتاج دائمًا إلى الاستعانة بالله في الثبات على الطاعة وترك المعصية، مشيرًا إلى أن قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» يعد كنزًا من كنوز الجنة؛ لأنه يرسخ معنى الاعتماد على الله وطلب العون منه في كل الأحوال.
كما أوضح أن القرآن الكريم جمع بين الاستغفار والتوبة في قوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}، مبينًا أن الاستغفار هو طلب المغفرة والعون، بينما التوبة هي العودة العملية إلى الطريق المستقيم، وهو ما ينعكس على حياة الإنسان في الدنيا والآخرة معًا.
وأكد عضو هيئة كبار العلماء أن التوبة الصادقة تقوم على الصراحة والشفافية مع النفس، بعيدًا عن خداع الذات أو تبرير الأخطاء أو تحسين الصورة أمام الناس، موضحًا أن المؤمن الحقيقي يعترف بخطئه ويندم عليه ويعزم على البدء من جديد.
وأشار إلى أن رحمة الله واسعة، وأن باب التوبة مفتوح أمام العباد مهما عظمت الذنوب، مستشهدًا بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}، لافتًا إلى أن التوبة تحتاج إلى بيئة صالحة وصحبة تعين الإنسان على الاستقامة، كما جاء في قصة الرجل الذي قتل مائة نفس ثم أراد التوبة.
وأكد جمعة أن التوبة ليست هروبًا من الدنيا، وإنما إصلاح لها على نور الآخرة، وبداية جديدة تقوم على الوعي والعمل والصدق مع الله والنفس والناس.





