شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب العام المرتبط بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، لم يعد مقصوراً على التناول التقليدي الذي ارتبط طويلاً بمفاهيم الرعاية والدعم، بل اتجه بصورة متزايدة نحو ترسيخ مقاربة أكثر شمولاً تستند إلى الحقوق، والمشاركة، والتمكين، باعتبارها ركائز أساسية في بناء مجتمع أكثر عدالة واتساقاً مع أهداف التنمية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغير في اللغة أو في طبيعة التغطيات الإعلامية، وإنما عكس تطوراً أعمق في إدراك الدولة والمجتمع لموقع الأشخاص ذوي الإعاقة داخل معادلة التنمية الوطنية، باعتبارهم شركاء فاعلين في عملية البناء، وليسوا فقط من الفئات المستفيدة من برامج الحماية والرعاية.
وفي هذا الإطار، تطور الخطاب الإعلامي ذاته من التركيز على المعالجة الموسمية أو الرمزية، إلى تناول يرتبط بقضايا أكثر عمقاً، تتصل بالتشريعات، والإتاحة، والدمج في التعليم والعمل، والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من سرديات التعاطف إلى سرديات الحقوق والمواطنة.
ولم يكن هذا التطور بمعزل عن الجهد المؤسسي الذي اضطلعت به الدولة، وفي القلب منه المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة برئاسة الدكتورة إيمان كريم، بوصفه أحد الأذرع الوطنية الداعمة لتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والدفع نحو دمج هذه الحقوق في السياسات العامة، من خلال أدوار متنامية تجاوزت نطاق الدفاع عن الحقوق، إلى الإسهام في تطوير الرؤى والسياسات وآليات المتابعة والتنسيق المؤسسي.
وقد أسهم هذا المسار في نقل ملف الإعاقة من كونه ملفاً اجتماعياً محدود النطاق، إلى أحد الملفات المرتبطة بأجندة الإصلاح والتنمية، خاصة مع تنامي الإدراك بأن التمكين الحقيقي لا يتحقق فقط عبر النصوص والتشريعات، وإنما من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، ومؤسسات قادرة على المتابعة، وخطاب عام داعم لهذا التحول.
ومن هنا تكتسب الاستراتيجية الوطنية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة أهمية خاصة في هذا التوقيت، ليس فقط باعتبارها إطاراً منظماً للأولويات والسياسات، وإنما باعتبارها خطوة نوعية نحو مأسسة هذا التحول، ونقل جهود التمكين من نطاق المبادرات إلى نطاق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
إن نجاح هذه الاستراتيجية لا يرتبط فقط بما تتضمنه من برامج أو محاور، وإنما بقدرتها على تعزيز التكامل بين المؤسسات، وترسيخ مبادئ الإتاحة والدمج، وبناء بيئة داعمة تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة ممارسة حقوقهم الكاملة، والمشاركة المتكافئة في الحياة العامة.
وفي هذا السياق، يظل تطوير الخطاب الإعلامي جزءًا لا ينفصل عن نجاح السياسات ذاتها، لأن الإعلام الواعي لا يكتفي بنقل الجهود، وإنما يسهم في تشكيل الوعي المجتمعي، ودعم أولويات الإصلاح، وتعزيز ثقافة قائمة على احترام الحقوق وتكافؤ الفرص.
إن المرحلة المقبلة تطرح تحدياً أكثر تقدماً، لا يتعلق فقط بالانتقال من الرعاية إلى الحقوق، وإنما بالانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى ترسيخ التمكين المؤسسي بوصفه واقعاً مستداماً. وهو ما يجعل من الاستراتيجية الوطنية المرتقبة، ودور المؤسسات الوطنية المعنية، نقطة ارتكاز مهمة في بناء مسار أكثر رسوخاً لدمج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يعكس رؤية دولة تعتبر التنمية الشاملة حقاً للجميع، دون استثناء.